"من هو علي شعث؟".. من هندسة المدن إلى هندسة المرحلة في غزة
"من هو علي شعث؟".. من هندسة المدن إلى هندسة المرحلة في غزة
في غزة التي خرجت من الحرب مثقلة بالركام والأسئلة، لا يُطرح اسم رئيس لجنة التكنوقراط بوصفه منصبًا إداريًا فحسب، بل باعتباره رهانًا سياسيًا مقنّعًا على مستقبل القطاع، هنا يظهر اسم علي شعث، لا كقائد فصيل ولا كخطيب تعبوي، بل كمهندس جاء من عالم الأرقام والمخططات والخرائط، رجل اعتاد العمل في غرف التخطيط الهادئة، يجد نفسه فجأة في قلب واحدة من أكثر الجبهات تعقيدًا في الشرق الأوسط، اختياره يعكس محاولة للهروب من منطق السلاح إلى لغة الإدارة، ومن الصراع المفتوح إلى إدارة الممكن، لكن السؤال الأكبر يبقى، هل تكفي السيرة التكنوقراطية لإنقاذ مدينة جريحة، أم أن السياسة ستبتلع المهندس قبل أن يرسم أول خط في خريطة الإعمار؟
من خان يونس إلى عواصم التخطيط
وُلد علي شعث في خان يونس، المدينة الجنوبية التي عاشت تاريخيًا على هامش القرار الفلسطيني المركزي، لكنها كانت دائمًا في قلب التحولات الكبرى، هناك تشكّلت ملامح أولى لشخصية تميل إلى الانضباط والواقعية أكثر من الخطابة.
في مرحلة مبكرة، غادر غزة إلى القاهرة، حيث التحق بجامعة عين شمس ودرس الهندسة، قبل أن يشق طريقه لاحقًا إلى كندا لنيل درجة الدكتوراه في الهندسة من جامعة كوينز.
هذه الرحلة التعليمية ليست تفصيلًا تقنيًا في سيرته، بل مفتاحًا لفهم رؤيته للعالم، شعث ينتمي إلى جيل فلسطيني رأى في التعليم والتخصص بابًا للخروج من أسر الجغرافيا المغلقة، في القاهرة تعرّف على منطق الدولة الحديثة، وفي كندا تمرّس على أدوات التخطيط طويل الأمد، حيث تُدار المدن بوصفها مشاريع مستمرة لا ساحات مؤقتة للصراع.
عند عودته إلى المشهد الفلسطيني، لم يتجه إلى التنظيمات السياسية أو العمل الحزبي، بل دخل مؤسسات السلطة من بوابة الخبرة، شغل مواقع حساسة في وزارة التخطيط والتعاون الدولي، ثم تولّى مناصب تنفيذية في وزارة المواصلات، قبل أن يصبح المدير التنفيذي للهيئة العامة للمدن الصناعية والمناطق الحرة، كان حضوره أقرب إلى العقل الإداري الذي يُستدعى حين تُطرح أسئلة التنمية والحوكمة، لا حين تُقرع طبول المواجهة.
في سياق فلسطيني اعتاد تسييس كل موقع، بدا شعث استثناءً نسبيًا، موظف دولة أكثر منه رجل مرحلة سياسية، هذه السمة، التي جعلته بعيدًا عن الأضواء سنوات طويلة، هي نفسها التي أوصلته اليوم إلى واجهة واحدة من أعقد الملفات في المنطقة.
لماذا اختير في لحظة مفصلية؟
اختيار علي شعث لرئاسة لجنة التكنوقراط في غزة لم يكن نتاج تصويت فلسطيني داخلي ولا نتيجة توافق فصائلي معلن، وفق مصادر متعددة، جاء اسمه ضمن حزمة تفاهمات إقليمية لعبت فيها القاهرة والعواصم العربية دورًا مركزيًا، قبل أن يحظى بقبول أميركي مبدئي، ويخضع – كغيره – لفحص أمني إسرائيلي.
هنا تكمن دلالة الاختيار، الرجل لا يمثل فصيلًا، ولا يحمل خطابًا أيديولوجيًا حادًا، ويمكن تقديمه بوصفه حلًا إداريًا لا مشروعًا سياسيًا، في معادلة ما بعد الحرب، حيث تبحث القوى الدولية عن إدارة مدنية لا تستفز إسرائيل ولا تمنح حماس شرعية حكم، يصبح التكنوقراط خيارًا جذابًا.
القائمة التي ضمّت نحو 15 اسمًا لعضوية اللجنة تعكس هذا المنطق انتقاء شخصيات ذات خلفية مهنية، بعضها حظي بتوافق مبدئي، وبعضها أُقصي لأسباب أمنية.
في هذا السياق، بدا شعث الاسم الأكثر أمانًا فلسطيني من غزة، بخبرة مؤسساتية، غير مصنّف كقيادي فصائلي، وله علاقات عمل سابقة مع جهات دولية.
لكن هذا الصعود ليس بلا كلفة، فالرجل يدخل إلى ساحة مشحونة بالشكوك، لا حماس أعلنت تبنيه، ولا فتح قدّمته بوصفه خيارها، هو، عمليًا، نتاج توافق خارجي أكثر مما هو تعبير عن إجماع داخلي.
وهذه مفارقة جوهرية أن يُطلب من تكنوقراط إدارة مجتمع خرج من حرب مدمّرة، بينما شرعيته السياسية لم تتشكل بعد.
الرهان عليه يشبه رهانًا على إدارة الأزمة بدل حلها، فالمطلوب منه ليس رسم مستقبل سياسي لغزة، بل تنظيم الحياة اليومية: خدمات، بنية تحتية، تنسيق مساعدات، وإعادة إعمار أولية، مهمة تبدو تقنية، لكنها في غزة شديدة التسييس.
مهندس في حقل ألغام سياسي
في الظاهر، يبدو دور رئيس لجنة التكنوقراط إداريًا بحتًا. لكن في الواقع الغزي، كل قرار خدمي هو موقف سياسي ضمني، إعادة فتح معبر، توزيع مساعدات، إعادة تأهيل حيّ مدمّر، أو حتى تعيين مدير مدرسة… كلها أفعال تُقرأ بوصفها ترسيمًا لسلطة جديدة.
علي شعث يجد نفسه أمام معادلة قاسية: عليه أن ينجح دون أن يبدو بديلًا سياسيًا، وأن يدير دون أن يتحول إلى واجهة لصفقة دولية مرفوضة شعبيًا. فالغزيون، الذين دفعوا ثمن الحرب، ينظرون بعين الريبة إلى أي بنية تُفرض من الخارج. وفي الوقت نفسه، تنتظر القوى الدولية نموذجًا هادئًا لا يعيد إنتاج الصدام.
خبرته في التخطيط قد تمنحه أدوات تنظيم المشهد، لكن غزة ليست مشروعًا عمرانيًا تقليديًا. هي مساحة مثقلة بالذاكرة، محكومة بالجراح، وتعيش تحت هدنة هشّة قُتل خلالها مئات الفلسطينيين منذ أكتوبر.
هنا، لا يكفي أن تكون مهندسًا ناجحًا؛ عليك أن تفهم المزاج العام، وتوازن بين احتياجات الناس وحساسيات الفصائل، وبين شروط الخارج وحدود الداخل.
قد ينجح شعث في بناء نموذج إداري فعّال يخفف من وطأة الكارثة الإنسانية، وقد يتحول، في المقابل، إلى واجهة بيروقراطية لمرحلة انتقالية بلا أفق سياسي واضح، بين الاحتمالين، يقف رجل اعتاد رسم الطرق والجسور، مطالبًا اليوم ببناء جسور ثقة في أرض ما تزال تحت القصف المعنوي والسياسي.

العرب مباشر
الكلمات