بين الانتقالي والعليمي.. حضرموت تتحول إلى ساحة اختبار لمستقبل الجنوب

بين الانتقالي والعليمي.. حضرموت تتحول إلى ساحة اختبار لمستقبل الجنوب

بين الانتقالي والعليمي.. حضرموت تتحول إلى ساحة اختبار لمستقبل الجنوب
ميليشيا الحوثي

تتحول حضرموت اليوم إلى ساحة اختبار سياسي وأمني معقّد يعكس هشاشة التوازن داخل مجلس القيادة الرئاسي اليمني، بعد سلسلة قرارات اتخذها رئيس المجلس رشاد العليمي أثارت هواجس واسعة ودفعـت قوى جنوبية وقبلية لإعلان موقف حاد منها، لم يعد النقاش محصورًا في آليات الحكم أو طبيعة الشراكة داخل المجلس فحسب، بل بات مرتبطًا بمخاوف حقيقية من إعادة إنتاج الفوضى وعودة قوى وُصفت لسنوات بأنها لعبت دورًا محوريًا في تفكيك مؤسسات الدولة وإضعاف الاستقرار، وفي مقدمتها جماعة الإخوان وحلفاؤها من الجماعات المتطرفة، موقف حلف قبائل حضرموت الذي أعلن رفضه التفرد بالقرار وتأييده لمواقف عدد من أعضاء المجلس الرئاسي، لم يكن بيانًا عابرًا، بل رسالة سياسية واضحة بأن أي محاولة لإقصاء مراكز النفوذ الجنوبي أو تجاوز التوافقات، قد تدفع بالمشهد إلى مسارات أكثر اضطرابًا، وتفتح الباب أمام تصعيد أوسع في واحدة من أكثر المحافظات حساسية وتأثيرًا في جنوب اليمن.

القبائل ترفض سياسات التفرد بالقرار
أعاد البيان الصادر عن حلف قبائل حضرموت ترتيب المشهد السياسي في المحافظة النفطية الأهم جنوب اليمن، بعدما أعلن الحلف دعمه للبيان المشترك لعدد من أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، بينهم عيدروس الزُبيدي وفرج البحسني وعبدالرحمن المحرمي وطارق صالح، معتبرًا أن هذه المواقف تمثل استجابة لإرادة جماهيرية خرجت إلى الشارع لتأكيد رفض سياسات التفرد بالقرار وإعادة تدوير أدوات الصراع القديمة.

الحلف شدد -في بيانه- على أن خطوات المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت تأتي في إطار حماية الاستقرار ومنع أي انزلاق أمني، وأثنى في الوقت نفسه على الدور المحوري الذي لعبته الإمارات في دعم منظومة الأمن بالمحافظة، في إشارة إلى موقف سياسي واضح يرفض أي محاولة لاستهداف الشركاء الإقليميين الذين لعبوا دورًا فاعلًا في تثبيت الأمن خلال السنوات الماضية. 

كما أكد الحلف رفضه المطلق لأي ترتيبات سياسية أو أمنية تُفرض عبر قرارات أحادية، أو محاولات لإحياء قوى الفوضى والتمرد، في رسالة صريحة بأن حضرموت لن تكون حقل تجارب سياسي جديد.

عودة نفوذ الإخوان


قرارات رشاد العليمي الأخيرة، التي شملت إجراءات اعتُبرت انفرادية، أشعلت موجة واسعة من الجدل داخل الساحة اليمنية، ووضعت مجلس القيادة أمام اختبار حقيقي. فبدلاً من تعزيز الشراكة التي تأسس عليها المجلس في أبريل 2022، بدا أن المشهد يتجه نحو تصدع داخلي خطير، وسط اتهامات مباشرة للعليمي بأنه يفتح الباب مجددًا أمام عودة نفوذ الإخوان وحلفائهم، بعد أن خسروا مواقعهم الحيوية في الجنوب عقب انهيار نفوذهم في وادي حضرموت.

الهيئة الإدارية للجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي ذهبت أبعد من ذلك، محملة العليمي ومن يقف خلفه المسؤولية المباشرة عن التوترات التي شهدها ميناء المكلا، ومؤكدة أن ما يجري يمثل مقامرة خطيرة بمستقبل البلاد لصالح حسابات حزبية ضيقة.
 هذا الاتهام لا ينفصل عن رؤية جنوبية أوسع ترى أن كل خطوة سياسية اليوم يجب أن تُقاس بميزان الأمن والاستقرار، لا بتوازن المصالح بين القوى الحزبية، خصوصًا في ظل واقع أمني هش وصراع مفتوح مع الحوثيين لم يُحسم بعد.

فراغات سياسية وأمنية


محللون يمنيون اعتبروا أن الإجراءات الأخيرة للعليمي مثلت “قبلة حياة” لتنظيم الإخوان في اليمن، بعدما تراجعت قدرته على التأثير منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي. 

ويذهب بعضهم إلى القول: إن العليمي أعاد البلاد عمليًا من صيغة الحكم التشاركي إلى حالة القرار الفردي، الأمر الذي وفر فرصة جديدة للإخوان لإعادة التموضع داخل مؤسسات الشرعية.

هذا التحول، وفق القراءة ذاتها، قد يترك فراغات سياسية وأمنية خطيرة ستسعى الجماعة لملئها مجددًا، بما يعيد إنتاج نمط قديم من النفوذ أثبتت التجربة أنه كان مكلفًا على البلاد.

المخاوف تتضاعف مع التحذيرات من احتمالية انزلاق المشهد إلى مواجهة عسكرية في حضرموت، في حال واصل العليمي السير في سياسة المواجهة مع الانتقالي الجنوبي.

مثل هذا السيناريو، وفق خبراء، سيمنح الإخوان دورًا مركزيًا في إدارة الصراع، ما يعني عودة “تجارة الحرب” وإطالة أمد النزاع مع الحوثيين، على حساب أي فرصة لإنجاز تسوية سياسية أو تحقيق استقرار تدريجي.

مفترق طرق


في هذا السياق، تبدو حضرموت اليوم على مفترق طرق، إما أن تكون منصة لتعزيز الشراكة الوطنية وبناء صيغة حكم قائمة على التوافق والمسؤولية المشتركة، أو تتحول إلى بوابة جديدة للفوضى وإعادة تدوير القوى التي لفظها المشهد سابقًا. 

موقف حلف قبائل حضرموت، بما يمثله من وزن اجتماعي وقبلي، يعد مؤشرًا مهمًا على أن المجتمع المحلي لم يعد يقبل بتجارب سياسية مرتجلة أو قرارات فوقية تتجاهل حساسية الواقع وتعقيداته.


وبينما يراقب اليمنيون تطورات المشهد، تبقى الأسئلة الكبرى مفتوحة، هل يتراجع العليمي خطوة للوراء لاستعادة توازن الشراكة داخل المجلس الرئاسي؟ وهل ينجح الانتقالي وحلفاؤه في فرض مقاربة جديدة تحفظ حضرموت من الانزلاق، أم أن البلاد تتجه نحو فصل جديد من الصراع السياسي والأمني ستكون المحافظة عنوانه العريض؟