من النفط إلى الصواريخ.. خريطة العقوبات الأميركية على شبكة الحوثيين الخفية

من النفط إلى الصواريخ.. خريطة العقوبات الأميركية على شبكة الحوثيين الخفية

من النفط إلى الصواريخ.. خريطة العقوبات الأميركية على شبكة الحوثيين الخفية
ميليشيا الحوثي

لم تعد المواجهة مع جماعة الحوثي مقتصرة على ميادين القتال أو بيانات الإدانة السياسية، في المرحلة الراهنة، انتقلت واشنطن إلى ساحة أكثر حساسية وتأثيرًا العمق المالي والاقتصادي الذي يغذّي آلة الحرب الحوثية، فبعد سنوات من العقوبات المتدرجة، كشفت الإدارة الأميركية عن مقاربة جديدة تقوم على ضرب "اقتصاد الظل" الذي بنت عليه الجماعة نفوذها، من تهريب النفط والسلاح، إلى إنشاء شركات واجهة تمتد من صنعاء إلى الخليج والبحر الأحمر، هذه الاستراتيجية لا تستهدف فقط مصادر التمويل المباشر، بل تسعى إلى تفكيك الشبكات العابرة للحدود التي تربط الحوثيين بطهران وبأسواق إقليمية ودولية، في محاولة لحرمان الجماعة من القدرة على تحويل الاقتصاد إلى أداة حرب ضد الداخل اليمني وضد الملاحة العالمية.

 في هذا السياق، جاءت الحزمة الجديدة من العقوبات الأميركية لتكشف حجم المنظومة غير المرئية التي أدارتها الجماعة، وكيف تحوّل الوقود، والتحويلات المالية، وحتى الطيران التجاري، إلى واجهات لتمويل الصواريخ والمسيرات والتصعيد الإقليمي.


اقتصاد الظل.. من النفط الإيراني إلى خزائن الحرب

الحزمة الأميركية الأخيرة، التي استهدفت 21 فردًا وكيانًا وسفينة واحدة، لا تُقرأ بوصفها إجراءً معزولًا، بل حلقة في استراتيجية أشمل تهدف إلى تجفيف منابع تمويل الحوثيين.

 وزارة الخزانة الأميركية أوضحت، أن الجماعة ما زالت تجني أكثر من ملياري دولار سنويًا من مبيعات نفطية غير مشروعة، وهي عائدات لا تنعكس على حياة اليمنيين، بل تُحوَّل مباشرة إلى تمويل العمليات العسكرية، بينما يُرغم السكان على شراء الوقود بأسعار مضاعفة.

اللافت، أن واشنطن لم تكتفِ بتسمية الحوثيين، بل ذهبت إلى تفكيك البنية التجارية التي تحيط بهم. فقد طالت العقوبات شركات واجهة مقرها الإمارات، مثل: "الشرفي لخدمات النفط" و"أديما للنفط" و"أركان مارس للبترول"، ووصفتها بأنها وسطاء بين النفط الإيراني والجماعة. 

ووفق الخزانة الأميركية، تلقت هذه الشركات دعمًا مباشرًا من طهران، وسهّلت شحنات شهرية، بعضها مجاني، بهدف تعزيز القدرات المالية للحوثيين.

إلى جانب ذلك، برزت شركات صرافة وبورصات مالية في صنعاء ودبي كعصب رئيسي لتحويل الأموال، ومن بينها شركة "جنات الأنهار للتجارة العامة"، التي أعادت تغيير اسمها بعد إدراجها سابقًا في محاولة للتحايل على القيود.

 هذه التفاصيل تكشف أن ما يبدو نشاطًا تجاريًا اعتياديًا هو في الواقع جزء من منظومة سياسية – عسكرية متكاملة، وظيفتها إبقاء الجماعة قادرة على تمويل التصعيد داخليًا وإقليميًا، بعيدًا عن أي رقابة رسمية.

السلاح والطيران.. حين تتحول الواجهات المدنية إلى أدوات حرب

لم تقتصر الضربة الأميركية على قطاع النفط، بل امتدت إلى شبكات تهريب السلاح التي تعتمد على شركات لوجيستية وهمية ومسارات معقّدة عبر البر والبحر.

 ومن أخطر ما كشفته الخزانة محاولة تهريب 52 صاروخ "كورنيت" مضادًا للدبابات داخل مولدات كهربائية مزيفة، نُقلت عبر سلطنة عمان إلى صنعاء قبل مصادرتها، هذه الواقعة تعكس مستوى الاحتراف الذي بلغته شبكات التهريب، وقدرتها على تمويه السلاح داخل شحنات مدنية.

كما أُدرجت شركات صرافة حوثية، أبرزها "الرضوان للصرافة والتحويل"، التي وُصفت بأنها "الخزنة المالية" لعمليات شراء السلاح، ووفق الرواية الأميركية، استُخدمت أموال المودعين لتمويل شبكات التهريب ودفع أثمان مكونات الصواريخ والأنظمة العسكرية المتقدمة، ما يحوّل المؤسسات المالية المحلية إلى أدوات مباشرة في اقتصاد الحرب.

الأكثر دلالة هو دخول الحوثيين مجال الطيران التجاري ليس بوصفه قطاعًا مدنيًا، بل كواجهة مزدوجة للتهريب وتوليد الإيرادات، فقد تعاونت قيادات حوثية مع رجال أعمال موالين لتأسيس شركتَي "براش للطيران" و"سما للطيران" في صنعاء، مع مساعٍ لشراء طائرات تجارية، بعضها عبر التواصل مع تاجر أسلحة دولي مدان. 

هذا التوجه، وفق واشنطن، يشير إلى انتقال الجماعة من اقتصاد حرب محلي إلى اقتصاد تهريب إقليمي، يستخدم الغطاء المدني لإدامة النشاط العسكري.

البحر الأحمر والعقوبات الثانوية

الشق البحري كان حاضرًا بقوة في العقوبات الجديدة، في ظل تحول البحر الأحمر إلى إحدى أكثر النقاط توترًا في العالم. فبعد انتهاء التراخيص الإنسانية التي سمحت بتفريغ شحنات نفطية لفترة محدودة، واصلت بعض السفن نقل الوقود إلى موانئ يسيطر عليها الحوثيون، في خرق صريح للقيود الأميركية.

العقوبات طالت شركة "البراق للشحن" وسفينتها "ALBARRAQ Z"، إضافة إلى عدد من قباطنة السفن الذين أشرفوا على تفريغ شحنات نفطية في ميناء رأس عيسى. وتؤكد الخزانة الأميركية أن هذه العمليات وفّرت دعمًا اقتصاديًا مباشرًا للجماعة بعد تصنيفها "منظمة إرهابية أجنبية".


غير أن الرسالة الأشد خطورة جاءت عبر التلويح بالعقوبات الثانوية، التي قد تطال مؤسسات مالية أجنبية تُسهّل "عن علم" معاملات كبيرة لصالح كيانات مدرجة. فمكتب "أوفاك" يملك صلاحية حظر الحسابات المراسلة داخل الولايات المتحدة، ما يعني عمليًا عزل أي بنك مخالف عن النظام المالي العالمي.

 هذه الآلية تحوّل العقوبات من أداة أميركية إلى شبكة ضغط دولية، وتجعل أي جهة تتعامل مع الحوثيين أمام مخاطرة وجودية.

ويأتي ذلك في سياق تصعيد قانوني متدرج، بدأ بتصنيف الحوثيين "منظمة إرهابية عالمية مصنفة تصنيفًا خاصًا" في فبراير 2024، ثم "منظمة إرهابية أجنبية" في مارس 2025.

 وبهذا، لم تعد المواجهة مع الجماعة عسكرية فقط، بل اقتصادية ومالية وقانونية، تستهدف قدرتها على البقاء لاعبًا إقليميًا عبر المال والتهريب.