باتريس لومومبا.. الرجل الذي أراد أن يستعيد روح إفريقيا فدفع حياته ثمنًا للحلم
باتريس لومومبا.. الرجل الذي أراد أن يستعيد روح إفريقيا فدفع حياته ثمنًا للحلم
في بطولة لكرة القدم كان يُفترض أن تبقى كل الأنظار على المستطيل الأخضر، خرج من بين المدرجات صوت آخر للتاريخ، هناك، في مدرجات كأس الأمم الأفريقية وقف شاب كونغولي صامتًا، جسده ثابت كتمثال وروحه مشتعلة بفكرة، ليعيد إلى الضوء اسم رجل حاول العالم طمسه طويلًا باتريس لومومبا.
لم يكن المشجع يعرض مشهدًا استعراضيًا بقدر ما كان يستدعي ذاكرة قارة كاملة، ويذكّر بأن هذا الوجه الذي جسّده ليس مجرد رمز سياسي قديم، بل قصة استقلال ناقص، وحلم بالكرامة، هكذا عاد لومومبا من المدرجات.. حيًّا بقدر ما حاول التاريخ أن يميته.
جذور في أرض مثقلة بالذاكرة
ولد باتريس إيمري لومومبا في قرية أونالوا بإقليم كاساي في زمن كانت فيه الكونغو مجرد “مستعمرة بلجيكية”، لا دولة لها روح مستقلة ولا صوت خاص، انتمى إلى جماعة باتيتيلا العرقية، وهي جماعة صغيرة لم يكن يتوقع أحد أن يخرج من أبنائها أحد أبرز عناوين التحرر الإفريقي.
في المدارس التبشيرية التي تعلم فيها، اكتشف مبكرًا معنى السلطة والمعرفة والخطاب؛ تعلّم لغة المستعمر، وقرأ صحفه، لكنه في الوقت نفسه أدرك أنّ المعرفة يمكن أن تتحول إلى سلاح ناعم ضد صاحبها الأصلي.
عمل كاتبًا ومحاسبًا في البريد، لكن ذلك لم يكن سوى ستار أولي لإنسان يتشكل وعيه يومًا بعد يوم، انخرط في نادي المثقفين، كتب مقالات وقصائد، وراح يختبر مساحة حرية تضيق وتتسع تبعًا لمزاج السلطة الاستعمارية، حتى عندما نال الجنسية البلجيكية، لم يكن ذلك اعترافًا به بقدر ما كان انعكاسًا لمفارقة: الرجل “الرسميًا بلجيكي” كان في داخله أفريقيًا حتى العظم، يرى بلاده سجينة ويحلم لها بدور أكبر مما سمحت به بروكسل.
تجربته القصيرة في السجن بعد اتهامه بالاختلاس شكّلت لحظة تحوّل حاسمة. خرج أكثر صلابة، أوضح وعيًا، وأشد إصرارًا على أن الحرية ليست نصًا جميلًا في بيان سياسي، بل مشروعًا كاملاً يعاد من خلاله بناء الإنسان الكونغولي، وفتح الطريق لجيل لا يريد أن يعيش كظل للمستعمر.
صعود سياسي على حافة النار
مع منتصف الخمسينيات، كانت الرياح تتغير في إفريقيا، دول تتحرر، أخرى تحتشد للانعتاق، وعالم يعاد ترتيبه على وقع الحرب الباردة، في هذا المناخ أصبح لومومبا وجهًا سياسيًا لافتًا، قاد نقابة مستقلة لموظفي الحكومة، لا تتبع النقابات البلجيكية، وأسس مع رفاقه الحركة الوطنية الكونغولية عام 1958، أول تنظيم سياسي عابر للمناطق والقبائل، محاولًا كسر مرض السياسة الكونغولية المزمن: الانقسام القبلي والجهوي.
في أكرا، حيث مؤتمر شعوب إفريقيا، التقى بمن يحلمون مثله بقارة متحررة وموحدة. هناك، لم يعد الاستقلال مجرد شعار؛ أصبح مشروعًا يستند إلى رؤية فكرية تتحدث عن وحدة إفريقيا كقوة سياسية وأخلاقية. ومع تصاعد الاحتجاجات في الكونغو، بدا أن الدولة البلجيكية لم تعد قادرة على إدارة المشهد بالطريقة القديمة، فاستدعت النخب الكونغولية إلى مؤتمر المائدة المستديرة في بروكسل عام 1960، كان حضور لومومبا لحظة فارقة: خرج من السجن ليجد نفسه فجأة في قلب التفاوض على مستقبل وطن كامل.
نجح في الانتخابات، وتولى تشكيل أول حكومة للكونغو المستقلة، لكن الاستقلال جاء مثقلًا بالألغام، دولة حديثة بلا مؤسسات قوية، جيش منقسم، نخب سياسية متصارعة، ومستعمر قديم لا يريد أن يغادر فعليًا.
أعلن لومومبا رفضه استمرار الهيمنة البلجيكية، وألقى خطابًا شديد الوضوح في يوم الاستقلال، فضح فيه إرث الاستعمار دون مواربة. ذلك الخطاب، بقدر ما منح الرجل مكانة تاريخية، جعله أيضًا هدفًا مباشرًا لقوى كثيرة لم ترد للكونغو أن تصبح مستقلة بالفكر كما أصبحت مستقلة رسميًا.
سقوط الرجل وبقاء الفكرة
لم تمر ثلاثة أشهر على توليه السلطة حتى انفجرت البلاد سياسيًا. أقاله الرئيس جوزيف كاسافوبو، فرفض القرار، ثم جاء الجيش بقيادة جوزيف موبوتو ليستولي على الحكم، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية بتاريخ الكونغو الحديث.
وجد لومومبا نفسه محاصرًا بين خصوم في الداخل وقوى خارجية وجدت في وجوده خطرًا على مصالحها، اعتُقل، فُرضت عليه الإقامة الجبرية، ثم فرّ محاولًا الوصول إلى معاقله في الشمال الشرقي، لكن الطريق انتهى به إلى قبضة الجيش.
ما جرى بعد ذلك تجاوز السياسة إلى الجريمة التاريخية، نُقل إلى كاتانغا الانفصالية، حيث المصالح البلجيكية كانت الأقوى، وهناك تمت تصفيته بدم بارد في يناير 1961، لم يكن الأمر مجرد اغتيال سياسي؛ كان محاولة لاغتيال الفكرة ذاتها، فكرة أن الكونغو تستطيع أن تمتلك قرارها دون وصاية، وأن إفريقيا قادرة على أن تقف دون أن تتكئ على أحد.
لكن المفارقة أن موته صنع حياته الثانية، تحوّل إلى رمز للقومية الإفريقية، وأيقونة سياسية يتردد صداها من عواصم القارة إلى ساحات الاحتجاج، وإلى الملاعب كما حدث مؤخرًا حين جسّد أحد المشجعين صورته في كأس الأمم الأفريقية، كأنما يقول إن الرجل الذي أُسكت بالرصاص لم يخرج من التاريخ، بل ما زال حاضرًا كضمير أخلاقي يذكّر بأن الاستقلال لا يُستكمل إلا حين تصبح العدالة والكرامة واقعًا.

العرب مباشر
الكلمات