الحوثي.. سنوات من القمع والانتهاكات في اليمن.. الاعتقالات والتجويع وتقييد المساعدات في مواجهة المدنيين

الحوثي.. سنوات من القمع والانتهاكات في اليمن.. الاعتقالات والتجويع وتقييد المساعدات في مواجهة المدنيين

الحوثي.. سنوات من القمع والانتهاكات في اليمن.. الاعتقالات والتجويع وتقييد المساعدات في مواجهة المدنيين
ميليشيا الحوثي

لم تعد معاناة اليمنيين مرتبطة فقط باستمرار الحرب وتداعياتها العسكرية، وإنما باتت الانتهاكات داخل مناطق سيطرة جماعة الحوثي واحدة من أبرز الملفات التي تعمق الأزمة الإنسانية، في ظل اتهامات متواصلة للجماعة بممارسة الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب وقمع الحريات، إلى جانب التضييق على المنظمات الإنسانية والعاملين في المجال الإغاثي.


وبعد أكثر من عقد على اندلاع النزاع، ما يزال اليمن يعيش واحدة من أصعب الأزمات الإنسانية في العالم، بينما تشير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 21 مليون شخص قد يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، مع معاناة نحو 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم ملايين الأطفال.


وفي مناطق سيطرة الحوثيين، لا تقتصر الأزمة على الفقر ونقص الغذاء والخدمات، بل تمتد إلى تضييق المجال العام، وتحويل الأجهزة الأمنية والقضائية إلى أدوات للسيطرة على المجتمع، بحسب تقارير حقوقية دولية ومحلية.


الاعتقال.. سلاح لإسكات المعارضين


يأتي الاعتقال التعسفي في مقدمة الانتهاكات المنسوبة إلى الحوثيين، حيث وثقت تقارير حقوقية حالات احتجاز وإخفاء قسري وتعذيب، إلى جانب احتجاز أشخاص على خلفية آرائهم أو أنشطتهم السياسية والحقوقية.


وتقول منظمة هيومن رايتس ووتش: إن الحوثيين اعتقلوا منذ مايو 2024 عشرات الأشخاص، بينهم موظفون في الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية وموظفون في سفارات أجنبية وعاملون في شركات خاصة، بينما ما يزال مصير عدد من المحتجزين ومكان احتجازهم محل قلق دولي.


وفي يونيو 2026، جدد مجلس الأمن الدولي مطالبته الحوثيين بالإفراج الفوري والآمن وغير المشروط عن جميع المحتجزين، مشيرًا إلى وجود 73 من موظفي الأمم المتحدة ضمن المحتجزين.


ولا تتوقف تداعيات هذه الاعتقالات عند الأشخاص المحتجزين، وإنما تمتد إلى قدرة المنظمات الإنسانية على العمل والوصول إلى ملايين اليمنيين الذين يعتمدون على المساعدات.


تضييق على العمل الإنساني


تضع ممارسات الحوثيين تجاه موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية العمل الإغاثي أمام مخاطر متزايدة، خاصة في ظل حاجة ملايين اليمنيين إلى الغذاء والدواء والمياه والخدمات الأساسية.


وأكدت منظمات حقوقية دولية، أن احتجاز العاملين في المجال الإنساني يؤثر بصورة مباشرة على وصول المساعدات إلى الأشخاص الأكثر احتياجًا، مطالبة بالإفراج عن المحتجزين دون شروط.


وتزداد خطورة الأزمة في ظل تراجع قدرة الاقتصاد اليمني على الصمود، حيث تشير الأمم المتحدة إلى أن الاقتصاد تقلص بأكثر من 50% منذ اندلاع النزاع، بالتزامن مع تدهور الخدمات وانتشار سوء التغذية والأمراض.


التجويع.. أزمة تتجاوز الغذاء


ولا ترتبط معاناة اليمنيين فقط بتراجع الموارد، وإنما تتحدث تقارير حقوقية عن ممارسات تؤثر على مصادر دخل المواطنين وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية.


وفي تقرير صدر في يونيو 2026، وثقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» 761 انتهاكًا منسوبًا إلى الحوثيين في أمانة العاصمة صنعاء خلال عام 2025، بزيادة تقارب 10% عن العام السابق.


وشملت الحالات التي رصدها التقرير الاعتقالات التعسفية والاعتداءات على الممتلكات والحق في الحياة والتلقين الطائفي والمحاكمات ذات الدوافع السياسية، إلى جانب انتهاكات متعلقة بالتعليم والتوظيف وحرية التعبير والتعذيب في أماكن الاحتجاز.


وتكشف هذه المعطيات عن أزمة تتجاوز المواجهة العسكرية، لتصل إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، من الوظيفة والدخل إلى حرية التعبير والأمان الشخصي.


قمع المجتمع المدني


وفي فبراير 2026، وثقت منظمة حقوقية 382 انتهاكًا منسوبًا إلى الحوثيين بحق المحامين والمحاميات في صنعاء خلال الفترة من 2023 حتى نهاية 2025.


وشملت الحالات الاعتداءات الجسدية واللفظية، والاختطاف والاحتجاز التعسفي، ومنع المحامين من الترافع، والتهديد والتحريض، إلى جانب حالات إخفاء قسري وتعذيب وطرد من قاعات المحاكم ونهب ممتلكات.


وتعكس هذه الوقائع، بحسب التقارير الحقوقية، ضغوطًا متزايدة على منظومة العدالة نفسها، في وقت يحتاج فيه المدنيون إلى مؤسسات قادرة على حماية حقوقهم وليس إلى مزيد من القيود.


الأطفال.. ضحية أخرى للحرب


الأطفال اليمنيون يدفعون أيضا ثمنا باهظا لاستمرار النزاع، سواء بسبب الفقر وسوء التغذية أو نتيجة آثار الحرب والألغام والذخائر غير المنفجرة.


وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن الأضرار التي لحقت بالأطفال تمثل أحد الملفات الرئيسية في النزاع اليمني، إلى جانب الألغام والذخائر غير المنفجرة والهجمات التي تعرض لها المدنيون.

ومع اتساع الاحتياجات الإنسانية، يصبح الطفل اليمني في دائرة الخطر من أكثر من اتجاه؛ الجوع والمرض والفقر، فضلا عن آثار العنف والنزوح وتراجع فرص التعليم.

من الداخل إلى البحر الأحمر

وفي الوقت نفسه، لم تعد أنشطة الحوثيين وتأثيراتها محصورة داخل الأراضي اليمنية، بعدما امتدت هجماتهم إلى البحر الأحمر وإلى سفن مدنية وأطقمها، في تحركات قالت "هيومن رايتس ووتش" إن بعضها أصاب أهدافًا مدنية بصورة عشوائية على الأرجح، وقد يرقى إلى جرائم حرب.

وهكذا وجد اليمن نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: جماعة مسلحة تسيطر على مناطق واسعة من البلاد، وأزمة إنسانية تتفاقم، وانتهاكات بحق المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، بالتزامن مع تصعيد إقليمي جعل اليمن جزءا من صراعات تتجاوز حدوده.

الحوثي أمام اختبار المجتمع الدولي

ويرى مراقبون، أن استمرار الانتهاكات دون آليات دولية كافية للمساءلة يمثل أحد أبرز التحديات أمام حماية المدنيين في اليمن.

وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن اليمن يفتقر منذ إنهاء ولاية فريق الخبراء البارزين التابع لمجلس حقوق الإنسان في 2021 إلى آلية دولية مستقلة لرصد حقوق الإنسان ووضع أساس للمساءلة عن الانتهاكات.

وبينما تستمر المطالب الدولية بالإفراج عن المحتجزين وحماية العاملين في المجال الإنساني، يبقى المدني اليمني هو الحلقة الأضعف في صراع طويل، يدفع ثمنه من أمنه وغذائه وحقوقه وحريته.

وفي قراءة للمشهد، قال المحلل السياسي اليمني محمود الطاهر: إن جماعة الحوثي لم تعد تتعامل مع السيطرة على المناطق اليمنية باعتبارها وضعًا عسكريًا مؤقتًا، وإنما تعمل على ترسيخ منظومة سيطرة متكاملة تشمل الأمن والمجتمع والاقتصاد والإعلام.

وأضاف الطاهر: أن الاعتقالات والتضييق على المجتمع المدني وملاحقة الأصوات المعارضة تمثل، من وجهة نظره، أدوات لإحكام السيطرة ومنع أي مساحة مستقلة يمكن أن تعرقل مشروع الجماعة.

وأوضح، أن استمرار احتجاز موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الإنسانية يضاعف من خطورة الوضع، لأن تأثير هذه الممارسات لا يتوقف عند الضحايا المباشرين، وإنما ينعكس على قدرة المنظمات الدولية على تقديم المساعدات لملايين اليمنيين.

وأشار إلى أن خطورة الملف الحوثي تكمن في الجمع بين السيطرة المسلحة وإدارة موارد المجتمع وفرض خطاب سياسي وأيديولوجي، وهو ما يجعل المواجهة، في تقديره، ليست عسكرية فقط، وإنما مرتبطة أيضًا باستعادة مؤسسات الدولة وحرية المجتمع وضمان وصول المساعدات دون عوائق.

وأكد الطاهر، أن استمرار الانتهاكات دون محاسبة يهدد بإطالة أمد الأزمة، ويمنح الجماعة مساحة أكبر لترسيخ واقع جديد على الأرض، مشددًا على أن أي مسار سياسي مستقبلي في اليمن لن يكون قابلاً للاستمرار دون معالجة ملف الانتهاكات وضمان حقوق المدنيين ووضع حد لاستخدام الاعتقال والقمع كأدوات للسيطرة.