الحرب تصل قلب بيروت.. الغارات الإسرائيلية العنيفة تعمق الانقسام داخل لبنان
الحرب تصل قلب بيروت.. الغارات الإسرائيلية العنيفة تعمق الانقسام داخل لبنان
تشهد العاصمة اللبنانية بيروت موجات جديدة من التصعيد العسكري بعدما وصلت الغارات الإسرائيلية إلى قلب المدينة، في تطور يعكس اتساع رقعة المواجهة بين إسرائيل وحزب الله وتحول الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة داخل الأراضي اللبنانية، وفقًا لما نشرته مجلة "التايمز" البريطانية.
ووفق تقارير ميدانية، بدأت الضربة في نحو الساعة الخامسة والنصف صباحا عندما اخترق هدير طائرة حربية إسرائيلية أجواء وسط بيروت، قبل أن يُسمع صوت إطلاق صاروخ أعقبه انفجار هائل أدى إلى انهيار مبنى مكون من عشرة طوابق بالقرب من مقر البرلمان اللبناني، ما تسبب في اهتزاز المباني المحيطة وتحول الموقع إلى كومة ضخمة من الأنقاض.
استهداف قلب العاصمة اللبنانية
الغارة لم تقع في الضاحية الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية التي تعرضت مرارا لغارات إسرائيلية خلال الفترة الماضية، كما لم تقع في جنوب لبنان حيث بدأت إسرائيل توغلا بريا، بل استهدفت قلب العاصمة اللبنانية، الأمر الذي أثار حالة من القلق والصدمة بين سكان المدينة.
وفي موقع قريب من الضربة الرئيسية، تعرضت عدة مبان سكنية لأربع غارات إضافية يوم الأربعاء، ما أدى إلى تدمير عدد من الشقق السكنية ومقتل 12 شخصا، بينهم مدير محطة التلفزيون التابعة لحزب الله وزوجته.
وبذلك يرتفع عدد القتلى جراء الغارات الإسرائيلية خلال الشهر الجاري إلى أكثر من 900 شخص، في ظل تصعيد مستمر على مختلف الجبهات داخل لبنان.
خلفيات اندلاع المواجهة
تعود جذور التصعيد الحالي إلى الثاني من مارس عندما أطلق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل احتجاجا على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وهو ما دفع إسرائيل إلى الرد بعمليات عسكرية واسعة.
وخلال الأسابيع التالية، تسببت العمليات العسكرية الإسرائيلية في نزوح نحو مليون شخص داخل لبنان، كما دفعت إسرائيل بدباباتها للسيطرة على المنطقة الحدودية مع لبنان، إضافة إلى استدعاء نحو 450 ألف جندي احتياط للمشاركة في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا التصعيد إلى ردود فعل متباينة داخل لبنان، حيث يشعر كثير من اللبنانيين بالغضب من الهجمات الإسرائيلية، في الوقت نفسه يوجه البعض انتقادات حادة إلى حزب الله بسبب ما يعتبرونه سببا في جر البلاد إلى مواجهة عسكرية واسعة.
المعركة على بلدة الخيام الاستراتيجية
في الوقت الذي واصل فيه حزب الله إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل خلال الأيام الماضية، خاض الجيش الإسرائيلي معارك للسيطرة على بلدة الخيام الاستراتيجية الواقعة في جنوب لبنان.
وتكتسب البلدة أهمية عسكرية كبيرة لأنها تشكل ممرا رئيسيا لإمدادات حزب الله القادمة من منطقة البقاع.
وفي هذا السياق، حذر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي عبر تطبيق تليغرام من أن من يلعب بالنار سيحترق.
تشابه مع حرب 2024
تشير التطورات الحالية إلى تشابه كبير مع المواجهة التي اندلعت عام 2024 عندما أطلق حزب الله صواريخ لدعم حركة حماس، ما دفع إسرائيل إلى شن عملية عسكرية واسعة في لبنان.
وخلال تلك الحرب اغتالت إسرائيل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، كما فجرت أجهزة اتصال كانت قد نجحت في تهريبها إلى صفوف الحزب، ما أدى إلى مقتل 12 شخصا وإصابة نحو 3000 آخرين.
ورغم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في نوفمبر من ذلك العام وانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان، فإن إسرائيل اتهمت الحكومة اللبنانية بعدم تنفيذ تعهدها بنزع سلاح حزب الله، كما اتهمت تل أبيب نفسها بخرق الاتفاق عبر قصف مناطق جنوب لبنان.
انقسام سياسي لبناني حول مسؤولية الحرب
أكد النائب في البرلمان اللبناني عن حزب الله حسين الجشي أن الحزب لم يكن البادئ بالحرب الأخيرة التي اندلعت في الثاني من مارس.
وأوضح أن الحزب امتنع لمدة 15 شهرا عن الرد على الهجمات الإسرائيلية خلال فترة سريان اتفاق التهدئة، لكنه لم يعد قادرا على الصمت بعد استمرار الاعتداءات.
في المقابل، يرى النائب مارك ضو من حزب تقدم الإصلاحي، وهو من أبرز منتقدي حزب الله، أن الحزب هو من جر لبنان إلى هذه الحرب.
وأوضح أن هجوم الثاني من مارس منح إسرائيل مبررا مثاليا لتدمير لبنان، رغم اعترافه بأن إسرائيل انتهكت اتفاق التهدئة في السابق.
تراجع شعبية حزب الله داخل لبنان
تشير التطورات الأخيرة إلى تغير تدريجي في مواقف بعض الأوساط اللبنانية تجاه حزب الله.
فقد أعلنت الحكومة اللبنانية في وقت سابق من هذا الشهر أن الجناح العسكري للحزب تنظيم غير قانوني، كما توقفت وكالة الأنباء الرسمية عن استخدام وصف المقاومة عند الإشارة إليه.
وطالب بعض السياسيين باتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الحزب، من بينها تفكيك شبكاته المالية والعسكرية وتشديد نقاط التفتيش لمنع وصول الإمدادات إليه.
توتر العلاقة مع الجيش اللبناني
في الوقت الذي تراهن فيه إسرائيل على دور أكبر للجيش اللبناني في الحد من نفوذ حزب الله، أدى مقتل ثلاثة جنود لبنانيين في غارات إسرائيلية هذا الأسبوع إلى تعقيد هذه المعادلة.
وفي المقابل، يحاول حزب الله إبراز دوره الإنساني عبر إرسال سيارات الإسعاف إلى مواقع القصف، رافضا الاتهامات الإسرائيلية باستخدام هذه المركبات لنقل الأسلحة.
وقال عبد الله نور الدين، أحد المسؤولين في جمعية صحية مرتبطة بحزب الله، إن الغارات الإسرائيلية دمرت عددًا كبيرًا من سيارات الإسعاف منذ عام 2024 وحتى الآن.
الأوضاع الإنسانية والضحايا المدنيون
تتزايد معاناة المدنيين مع استمرار الغارات، إذ يعالج مستشفى جبل عامل في مدينة صور نحو 350 مصابًا جراء القصف الإسرائيلي.
وقال الطبيب وائل مروه إن أحد الهجمات استهدف سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر، معربًا عن مخاوفه من أن يصبح المستشفى نفسه هدفًا محتملًا للغارات.
وأضاف أن حجم العمليات العسكرية الحالية أكبر بكثير من الحرب السابقة، مشيرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي يبدو قادرًا على مواصلة هجماته دون عوائق كبيرة.
الغضب الشعبي يتصاعد
مع تزايد أعداد الضحايا المدنيين، يتصاعد الغضب الشعبي داخل لبنان.
وروت عائلة سورية كانت تعمل في قطف البطاطس في منطقة تمنين بالبقاع كيف أدى قصف صاروخي إلى مقتل ستة من أفرادها وإصابة ستة آخرين بعد استهداف المكان الذي كانوا يقيمون فيه.
وقال أحمد غازي خندة، الذي فقد والديه وزوجته وثلاثًا من بناته في الهجوم، إنه لا يعرف سبب استهداف المكان، لكنه أشار إلى أن العائلة كانت قد انتقلت إليه بعد مغادرة مسكن سابق قرب بنك يملكه حزب الله.
مراقبة إسرائيلية للشبكات الهاتفية
أشار عبيد قطايا، رئيس منظمة الحقوق الرقمية اللبنانية سمكس، إلى احتمال أن تكون إسرائيل قد رصدت هواتف العائلة عبر مراقبة شبكة الاتصالات اللبنانية.
وأوضح أن إسرائيل تستخدم تقنيات متطورة لمراقبة الاتصالات، بما في ذلك أبراج اتصالات سرية وأنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل البيانات.
تراجع صورة حزب الله كمقاومة
يرى محللون أن فرص حزب الله في استعادة صورته كقوة مقاومة داخل لبنان أصبحت محدودة.
وقال الباحث مايكل يونغ من مركز مالكوم كير كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت إن كثيرين داخل لبنان ينظرون إلى الحزب باعتباره امتدادا لإيران.
وأضاف أن النظام الإيراني يعتقد أنه يواجه تهديدًا وجوديًا، وهو ما دفعه إلى إدخال حزب الله في الصراع.
وأشار يونغ إلى أن كثيرًا من اللبنانيين باتوا يعتقدون أن حزب الله جر البلاد إلى حربين خلال ثلاث سنوات، وهو ما يعتبرونه كارثة للبنان.
عزلة متزايدة للطائفة الشيعية
تتزايد أيضًا المخاوف من أن يؤدي النزاع إلى عزلة الطائفة الشيعية داخل لبنان.
فمع نزوح مئات الآلاف من الجنوب، يرفض بعض السكان في الشمال تأجير منازل أو غرف فندقية للنازحين خوفًا من أن يكونوا مرتبطين بحزب الله وقد يتعرضون للاستهداف.
تحذيرات إسرائيلية للنازحين
حذر وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس من أن مئات الآلاف من السكان الشيعة الذين غادروا جنوب لبنان وبيروت لن يتمكنوا من العودة إلى منازلهم ما لم يتوقف حزب الله عن قصف إسرائيل.
وأشار محللون إلى أن هذا الوضع قد يدفع بعض أبناء الطائفة الشيعية إلى تقديم دعم أكبر لحزب الله نتيجة شعورهم بالعزلة وعدم وجود خيارات أخرى.
حياة شبه طبيعية في مناطق شمال لبنان
ورغم التصعيد العسكري في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، لا تزال مناطق واسعة في شمال لبنان بعيدة نسبيا عن أجواء الحرب.
ففي بلدة بعبدا المطلة على الضاحية الجنوبية يمكن مشاهدة جبال لبنان المغطاة بالثلوج حيث يستمر موسم التزلج بشكل طبيعي.
وفي أحد المواقع المرتفعة التي يستخدمها الصحفيون لتصوير الغارات على الضاحية، تجمع عدد من الأطفال لمشاهدة أعمدة الدخان المتصاعدة من المدينة.
أما المخرج السينمائي أديب فرحات الذي غادر قريته قرب النبطية في الجنوب بحثًا عن ملاذ آمن في بيروت، فقال إنه استيقظ صباحًا على صوت الانفجارات وظن للحظة أنه عاد إلى الجنوب مرة أخرى.
وأضاف أن هذه الحرب تلاحقه أينما ذهب، في إشارة إلى اتساع نطاق المواجهة وتأثيرها على مختلف مناطق لبنان.

العرب مباشر
الكلمات