عبدالله صعتر.. فتاوى السياسة حين تُشهر سلاح التكفير في وجه الجنوب
عبدالله صعتر.. فتاوى السياسة حين تُشهر سلاح التكفير في وجه الجنوب
على امتداد الصراع اليمني، لم تكن البنادق وحدها أداة الحرب، بل حضرت الفتوى بوصفها سلاحًا موازيًا، أشد فتكًا حين تُغلف بالدين وتُساق لخدمة السياسة. في هذا السياق، يبرز اسم عبدالله صعتر كأحد أكثر الوجوه إثارة للجدل، بعد سلسلة تصريحات وفتاوى تحريضية أعادت فتح جراح قديمة في الذاكرة اليمنية، خصوصًا لدى الجنوبيين. فبين الدعوة الصريحة لقتالهم، ووضعهم في خانة واحدة مع جماعة الحوثي، والتلويح بإباحة الدم تحت عناوين “الدولة” و“الشرعية”، تتشكل سردية خطيرة تُعيد إنتاج خطاب التكفير ذاته الذي فجّر حرب صيف 1994.
هذا التقرير يُعيد تفكيك المسار الخطابي والسياسي لهذه الفتاوى، ويضعها في سياقها الزمني والفكري، مع قراءة آثارها على الجنوب والقضية اليمنية الأوسع، بعيدًا عن التجميل أو التبرير.
فتاوى على خط النار
لم تكن مواقف صعتر مجرد آراء فقهية عابرة، بل جاءت في لحظات احتقان سياسي وأمني، لتُترجم خطابًا يُساوي بين خصوم سياسيين وجماعات انقلابية. في أكثر من ظهور إعلامي، اعتبر أن “أي جماعة أو فئة خارج الدولة حكمها حكم الحوثي”، وهي صيغة عامة فضفاضة تُستخدم لتجريم خصوم بعينهم، وفي مقدمتهم الجنوبيون وقواتهم الأمنية.
هذه المقاربة تُقصي التعقيد اليمني، وتتجاهل واقع التعدد السياسي والمناطقي، وتختزل الصراع في ثنائية قاتلة: دولة/خارجون عليها، بما يفتح الباب واسعًا لتبرير العنف.
منابر التحريض
في أكتوبر 2018، ظهر صعتر عبر قناة سهيل، موجّهًا سهام نقده للجنوبيين والتحالف العربي، ومشككًا في قدرة دول التحالف على حماية الحكومة. ورغم رفعه شعار “حصر السلاح بيد الدولة”، جاءت دعوته مقرونة بحضّ الحكومة على موقف “حازم” في الجنوب، بما يعني عمليًا تسويغ المواجهة المسلحة في المدن المحررة.
هذا التناقض بين الشعار والممارسة كشف—بحسب مراقبين—اختراق السياسة للخطاب الديني، واستخدامه لتصفية حسابات النفوذ.
استدعاء الذاكرة السوداء
أعادت تصريحات صعتر إلى الأذهان فتاوى سابقة صدرت خلال حرب صيف 1994، حين جرى تكفير الجنوبيين واستباحة دمائهم.
ويُستحضر هنا اسم عبدالوهاب الديلمي بوصفه نموذجًا لخطاب ديني جرى توظيفه آنذاك لإسناد الحرب. هذا الاستدعاء التاريخي ليس تفصيلاً، بل مؤشرًا على نمط متكرر: الدين حين يُسخَّر لتثبيت موازين قوى سياسية، لا لنصرة دولة أو حماية مجتمع.
جنوب بين الوصم والإنكار
لم تقتصر فتاوى صعتر على توصيف الجنوبيين بـ“الميليشيات”، بل طالت المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات الحزام الأمني، ووضعتهم في خانة واحدة مع الحوثيين.
هذا التوصيف يتجاهل واقعًا تشكّل بعد تضحيات واسعة قدّمها الجنوبيون في مواجهة الحوثي والإرهاب، ويقفز فوق مطالب سياسية واجتماعية متراكمة، ليُعيد إنتاج خطاب إنكاري يرفض الاعتراف بالآخر.
فتاوى الصدمة
في سبتمبر 2017، فجّر صعتر جدلاً واسعًا بتصريحات طالبت السلطات السعودية بالتخلص من المغتربين اليمنيين، بزعم تمويلهم الحوثيين، قبل أن يعتذر لاحقًا تحت ضغط الرفض الشعبي. وفي السياق ذاته، نُسبت إليه فتوى صادمة تُجيز—بحجة إسقاط الحوثي—هلاك غالبية سكان اليمن. مثل هذه الطروحات، حتى إن قُدّمت على سبيل المبالغة الخطابية، تكشف منطقًا يُهوّن من قيمة الحياة الإنسانية، ويُشرعن العنف الجماعي.
السياسة خلف العمامة
يرى محللون، أن الدافع الحقيقي وراء هذه الفتاوى سياسي بامتياز، مرتبط بصراع السلطة والثروة، خصوصًا في المحافظات الجنوبية الغنية بالموارد. ويذهب بعضهم إلى أن خطاب التحريض يخدم أجندات نفوذ، أكثر مما يخدم استقرار اليمن أو مواجهة الحوثي.
في هذا الإطار، يُشار إلى دور حزب التجمع اليمني للإصلاح وعلاقاته التاريخية المعقّدة بالساحة اليمنية، حيث تداخل الديني بالسياسي، وتحوّلت الفتوى إلى أداة تعبئة.
تكشف تجربة عبدالله صعتر أن أخطر ما في الصراع اليمني ليس فقط تعدد الجبهات، بل تسليح الخطاب الديني لخدمة السياسة. فحين تُستخدم الفتوى لتكفير الخصوم وتجريدهم من الشرعية، تتحول إلى وقود حرب، وتُعمّق الشروخ المجتمعية.
إن استعادة الدولة اليمنية لن تمر عبر فتاوى الإقصاء، بل عبر عقد سياسي يعترف بالتعدد، ويضع الدين في مقامه الأخلاقي، لا في خندق التحريض.

العرب مباشر
الكلمات