تمويلات.. مدارس.. ومساجد: البنية الخفية التي صنعت نفوذ الإخوان في الغرب

تمويلات.. مدارس.. ومساجد: البنية الخفية التي صنعت نفوذ الإخوان في الغرب

تمويلات.. مدارس.. ومساجد: البنية الخفية التي صنعت نفوذ الإخوان في الغرب
جماعة الإخوان

لم تعد أوروبا تنظر إلى الحركات العابرة للحدود كظواهر فكرية وافدة أو امتداد اجتماعي لجاليات مهاجرة، بل كمسارات نفوذ طويلة الأمد تعمل بنَفَس صبور وتتقن بناء شبكاتها داخل الثغرات القانونية ومظلات الحريات الدينية، ولعلّ جماعة الإخوان المسلمين تمثل النموذج الأكثر وضوحًا لهذا التحول؛ فمنذ أن فتحت بعض الدول الأوروبية أبوابها أمام المهاجرين واللاجئين القادمين في ستينيات القرن الماضي، لم تتوقع أن تتشكّل داخل أراضيها بنية تنظيمية ذات طابع سياسي وأيديولوجي قادر على التغلغل في مراكز القرار المجتمعي المحلي، اليوم، وبعد عقود من الترسخ الهادئ، ترى أجهزة الأمن والباحثون الأوروبيون حجم شبكة معقدة تتجاوز المساجد والجمعيات إلى بنى تعليمية ومالية وإعلامية، تعمل ضمن مشروع متدرج يفضّل الاختراق البنيوي على المواجهة الصدامية. هذه الديناميكية الصامتة – التي يسميها بعض الخبراء التمدد الناعم – جعلت من القارة الأوروبية أحد أهم مسارح تأثير الجماعة خارج العالم العربي، ودفعت مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة جذرية لطبيعة حضورها وحدود نفوذها.

 صهر البنّا


منذ ستينيات القرن الماضي، عندما بدأت موجات الهجرة السياسية لقيادات إخوانية إلى البحث عن ملاذات آمنة، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول الملجأ المؤقت إلى قاعدة عمل استراتيجية، كان سعيد رمضان – أحد أبرز وجوه الجيل الأول وصهر مؤسس الجماعة – أول من رسّخ النموذج المؤسسي للحضور الإخواني في أوروبا. 

فمن ميونخ، وضع اللبنات الأولى لشبكة من المراكز والجمعيات التي استفادت من التمويلات الخارجية، ومن بيئة أوروبية تقوم على حرية التنظيم وحماية الأقليات الدينية.

وخلال السبعينيات، توسّعت هذه الشبكة نحو بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا، مشكلةً أول ملامح حضور منظم لا يشبه الجماعات الإسلامية التقليدية ذات الطابع المحلي، بل يطمح إلى تأثير سياسي وثقافي عابر للحدود.

يعزو الباحث لورينزو فيدينو هذا المسار إلى ما يسميه استراتيجية الدخولية، وهي منهج يقوم على التدرج والتغلغل البطيء في المؤسسات، لا تسعى الجماعة إلى تغيير سريع، بل إلى بناء حواضن اجتماعية ونخب محلية تدين لها بالولاء الفكري والتنظيمي.

ويشير فيدينو إلى أن هذا النهج، الذي قد يبدو غير مرئي لعقود، يسمح للجماعة بتشكيل فضاءات نفوذ تتسلل تدريجيًا إلى التعليم والمجتمع المدني والإعلام، قبل الوصول إلى مراكز تمثيل الجاليات والمسارات السياسية المحلية.

هياكل الإخوان المركزية

من جانبه، كشف تقرير البرلمان الأوروبي لعام 2024 الحجم الحقيقي لهذا التمدد، إذ رصد ستة هياكل مركزية تعمل على مستوى القارة وتشكل البنية التنظيمية الكبرى للجماعة، من بينها مجلس مسلمي أوروبا، والذراع الطلابية FEMYSO في بروكسل، والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية الذي يدير مدارس في عدة دول، إلى جانب المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ويوروب تراست، فضلاً عن منظمة الإغاثة الإسلامية العالمية التي حصلت على عشرات ملايين اليوروهات من مؤسسات الاتحاد الأوروبي رغم نفيها أي ارتباط تنظيمي بالجماعة.

تقدم فرنسا المثال الأبرز على كيفية عمل الإخوان داخل مجتمع أوروبي بالغ الحساسية تجاه مسألة الإسلام السياسي، فالتقرير السري الذي قدّمته باريس لمجلس الدفاع الوطني في مايو 2025 كشف عن بنية تحتية واسعة، تعمل عبر واجهتين: شبكة قانونية معلنة من الجمعيات والمساجد، وهيكل قيادي مغلق يعرف بـمجلس القضاة، وتقدّر السلطات وجود ما بين 400 و1000 عضو ملتزم يديرون مئات الجمعيات وأكثر من 130 مسجدًا، إضافة إلى شبكة مدارس قرآنية تُظهر تقارير أوروبية ارتباط ثلثها على الأقل بتوجهات أصولية، بينها أكثر من مئة مدرسة تنتمي مباشرة لشبكة الإخوان.

تخوفات الأجهزة الأمنية

أما الباحثة الفرنسية فلورانس بيرجو-بلاكلر، فقد شكّلت أعمالها أحد أهم مصادر الجدل حول الإخوان في فرنسا، في كتابها الصادر مطلع 2023، أكدت أن الجماعة تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع بما يتوافق مع الشريعة، وهي جملة دفعت بها إلى تلقي تهديدات استدعت توفير حماية أمنية دائمة لها، يشير بحثها إلى أن الجماعة تعمل بنموذج يمزج بين النخبوية المغلقة واستخدام باحثين ومؤثرين على الإنترنت لضمان سيولة الخطاب، وخلق مساحات تأثير داخل الجيل الشاب.

ويتوافق هذا التقييم مع قراءة فيدينو، الذي يرى أن الأرستقراطية النخبوية للجماعة أي الشبكة العائلية المغلقة التي تمسك بزمام التمويل والقرار، هي التي حافظت على قدرة الإخوان على الترسخ في الغرب.

 ومن وجهة نظر السير جون جينكينز، الدبلوماسي البريطاني الذي أعد المراجعة الحكومية الشهيرة عام 2014، فإن ما يكشفه فيدينو يجب أن يدفع كل من يتعامل مع الإخوان باعتبارهم خط دفاع ضد التطرف إلى إعادة النظر في افتراضاته.

الأجهزة الأمنية الأوروبية، بدورها، لم تُخفِ قلقها. فالتقارير البلجيكية، والهولندية، والألمانية، حذرت جميعها من سعي الجماعة إلى تعيين أفراد مؤثرين موالين لها داخل المؤسسات التمثيلية للجاليات، ومن استخدامها التوترات الاجتماعية لتعزيز نفوذها، ومن محاولتها المستمرة تقديم نفسها كممثل حصري للمسلمين في أوروبا.

ويُعد تقرير البرلمان الأوروبي بعنوان "كشف القناع عن الإخوان المسلمين" أحد أكثر الوثائق صراحة في التحذير من ثغرات الرقابة على التمويل، ومن قدرة جماعات مرتبطة بالإخوان على استغلالها بمهارة.