إسرائيل تنقسم بسبب تحقيقات 7 أكتوبر.. وحكومة نتنياهو تواجه اتهامات بالتهرب
إسرائيل تنقسم بسبب تحقيقات 7 أكتوبر.. وحكومة نتنياهو تواجه اتهامات بالتهرب
يُنظر على نطاق واسع إلى الهجوم الذي قادته حركة حماس في السابع من أكتوبر 2023 باعتباره أسوأ فشل عسكري واستخباراتي وسياسي في تاريخ إسرائيل. غير أن مسألة تحديد المسؤولية عن تلك الإخفاقات ما تزال موضع جدل واسع داخل المجتمع الإسرائيلي، في ظل غياب تحقيق رسمي شامل يُحمّل الأطراف المعنية تبعات الانهيار الأمني الذي وقع في ذلك اليوم، وذلك وفقًا لما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.
صدمة أمنية غير مسبوقة
فاجأ الهجوم الحكومة الإسرائيلية والمؤسسة العسكرية وأجهزة الأمن، ولم تُجرِ إسرائيل حتى الآن تحقيقًا رسميًا جامعًا لتحديد المسؤوليات.
وفي ذلك اليوم، عبر آلاف المسلحين الحدود من قطاع غزة، وهاجموا بلدات وقرى إسرائيلية وقواعد عسكرية ومهرجانًا موسيقيًا، ما أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص، بحسب السلطات الإسرائيلية، إضافة إلى أسر نحو 250 شخصًا ونقلهم إلى غزة.
تشريع جديد بعد عامين من الحرب
بعد مرور عامين على الحرب في غزة، ومع سريان وقف إطلاق نار هش، تتقدم الحكومة الإسرائيلية بتشريع يهدف إلى فتح تحقيق في أحداث السابع من أكتوبر.
ووفقًا لمقترح حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، سيتم اختيار أعضاء لجنة التحقيق بطريقة تختلف عن الآلية المنصوص عليها في القانون الإسرائيلي القائم.
وفي خطاب ألقاه نتنياهو أمام الكنيست يوم الاثنين، قال: إن المقترح يحظى بتوافق واسع بين الجمهور، واصفًا إياه بأنه السبيل الوحيد لكشف الحقيقة، لكنه أقر في الوقت نفسه بمعارضة شديدة من قبل أحزاب المعارضة البرلمانية.
ومع دخول البلاد عامًا انتخابيًا، تحوّل الخلاف حول آلية المُساءلة الحكومية إلى نقطة صراع جديدة في مجتمع يعاني انقسامًا سياسيًا عميقًا.
تفاصيل مقترح الحكومة
أقر الكنيست في 24 ديسمبر قراءة تمهيدية لمشروع قانون يقضي بتشكيل ما أطلقت عليه الحكومة لجنة تحقيق وطنية ــ دولة في هجوم أكتوبر 2023. وينص المقترح على تشكيل لجنة من نحو ستة أعضاء، يتم اختيار نصفهم من قبل الائتلاف الحاكم، والنصف الآخر من قبل المعارضة.
وبموجب القانون الإسرائيلي القائم، ينبغي أن تُشكَّل لجان التحقيق الرسمية من أعضاء يختارهم رئيس المحكمة العليا، لا السياسيون. إلا أن حكومة نتنياهو اليمينية ترفض هذا المسار، معتبرة أن رئيس المحكمة العليا القاضي يتسحاق عميت لا يحظى بثقة الجمهور، وداعية بدلًا من ذلك إلى لجنة خاصة يعينها السياسيون.
ويأتي هذا الخلاف في سياق صراع أوسع تخوضه الحكومة مع الجهاز القضائي، ضمن خطط إصلاح قضائي مثيرة للجدل تهدف إلى تقليص صلاحيات المحكمة العليا.
وأكد نتنياهو، قبيل التصويت، أن حدثًا غير مسبوق مثل السابع من أكتوبر يتطلب لجنة تحقيق خاصة ذات طابع وطني واسع، تكون مقبولة لدى أغلبية الشعب، مضيفًا أن اللجنة ستكون متوازنة ولن يتمتع أي طرف بميزة في تعيين أعضائها.
وشدد على أن اللجنة التي يقترحها ستكون مستقلة وستمتلك الصلاحيات نفسها التي حظيت بها لجان تحقيق سابقة، مشيرًا إلى أن المشروع ما يزال بحاجة إلى عدة تصويتات إضافية ليصبح قانونًا نافذًا.
انتقادات ومعارضة سياسية
يرى منتقدو المقترح، أن رئيس الوزراء يحاول كسب الوقت والتنصل من تحمّل المسؤولية عن الإخفاقات التي وقعت خلال فترة ولايته. وقد تعهدت أحزاب المعارضة بعدم المشاركة في هذه العملية، معتبرة أنها تفتقر إلى المصداقية.
وقال زعيم المعارضة الوسطي يائير لابيد: إن الهدف الحقيقي من مشروع القانون هو تمكين رئيس الوزراء من التهرب من المسؤولية، مؤكدًا أن المعارضة لن تتعاون مع ما وصفه بمهزلة مخزية.
أظهرت استطلاعات رأي متعددة، أن غالبية الإسرائيليين تؤيد تشكيل لجنة تحقيق رسمية وفقًا للقانون القائم، معتبرة أن هذا المسار هو الأكثر مصداقية للتحقيق في أكثر الأيام دموية لليهود منذ الهولوكوست.
وتتمتع لجان التحقيق الرسمية بصلاحيات واسعة، تشمل استدعاء الشهود وإلزامهم بالإدلاء بشهاداتهم، وقد سبق لها أن حمّلت أفرادًا بعينهم المسؤولية وأوصت باتخاذ إجراءات ضدهم.
ففي أعقاب حرب 1973، أدت نتائج لجنة أغرانات التي حققت في الإخفاقات التي سبقت الهجوم المصري السوري المفاجئ إلى استقالات في صفوف القيادة العسكرية العليا وإعادة هيكلة الجيش، كما استقالت لاحقًا رئيسة الوزراء آنذاك غولدا مئير.
وفي ثمانينيات القرن الماضي، حمّلت لجنة كاهان القيادة الإسرائيلية مسؤولية غير مباشرة عن مذبحة صبرا وشاتيلا التي نفذتها ميليشيات لبنانية بحق مدنيين فلسطينيين، وأوصت بإقالة وزير الدفاع حينها أرييل شارون، الذي اضطر لاحقًا إلى الاستقالة.
مسؤولية نتنياهو محل تساؤل
رغم أن نتنياهو شغل منصب رئاسة الوزراء معظم السنوات منذ عام 2009، وكان له دور محوري في صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية، فإنه لم يتحمل حتى الآن أي مسؤولية شخصية عن إخفاقات السابع من أكتوبر. وقد صرّح بأنه سيجيب عن الأسئلة الصعبة بعد انتهاء الحرب، في حين دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ قبل نحو ثلاثة أشهر.
في المقابل، أجرى الجيش الإسرائيلي تحقيقات داخلية حول إخفاقاته قبل وأثناء هجوم أكتوبر 2023، خلصت إلى أن القيادات العسكرية العليا قللت بشكل كبير من قدرات حماس، وأساءت تفسير إنذارات مبكرة بوقوع هجوم كبير. وقد استقال أو أُقيل عدد من القادة العسكريين والأمنيين نتيجة لهذه التحقيقات.
صوت عائلات الضحايا
تُعد عائلات ضحايا هجوم أكتوبر، والناجون منه، ومن أُفرج عنهم من الأسر في غزة، من بين أشد المنتقدين لرفض الحكومة تشكيل لجنة تحقيق رسمية تقليدية. ووقّعت أكثر من 200 عائلة مؤخرًا رسالة مفتوحة طالبت فيها بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة، محذّرة من أن غياب تحقيق حقيقي سيحول دون ضمان عدم تكرار كارثة السابع من أكتوبر.
في المقابل، يقول نتنياهو إن لجنة التحقيق الخاصة التي يقترحها ستشمل آباء وأمهات الضحايا بصفة مراقبين، في محاولة لطمأنة الرأي العام وإظهار قدر من الشمول في العملية المقترحة.

العرب مباشر
الكلمات