السودان.. "قنبلة موقوتة" للتطرف تهدد قلب إفريقيا
السودان.. "قنبلة موقوتة" للتطرف تهدد قلب إفريقيا
تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال تحول السودان إلى بيئة جاذبة للتنظيمات المتطرفة مع استمرار الحرب الداخلية واتساع رقعة الفراغ الأمني.
وتشير تقديرات أمنية إلى أن طول أمد القتال وتفكك مؤسسات الدولة وانتشار السلاح عوامل تزيد من فرص تمركز جماعات عابرة للحدود داخل البلاد، كما لفتت تقارير استخباراتية وأممية إلى أن الجغرافيا المفتوحة والانهيار الاقتصادي يسهلان عمليات التجنيد والتمويل، ما قد يضع السودان في موقع جديد على خريطة النشاط الجهادي في إفريقيا والشرق الأوسط، ويثير مخاوف من تداعيات إقليمية تتجاوز حدوده.
ثقافة العنف الجهادي
مع اقتراب الحرب السودانية من عامها الرابع، تتزايد المؤشرات التي تدفع أجهزة الاستخبارات ومراكز الدراسات الأمنية إلى إعادة تصنيف البلاد ضمن المناطق عالية الخطورة من حيث قابلية احتضان التنظيمات المتطرفة.
فالصراع المستمر بين الجيش وقوات الدعم السريع لم يؤدِّ فقط إلى انهيار بنية الدولة، بل أنتج بيئة تتوافر فيها أهم الشروط التي تحتاجها الجماعات الجهادية: الفوضى، والسلاح، والحدود المفتوحة، والاقتصاد الموازي.
التقديرات الأمنية تشير إلى أن طول أمد الحرب يمثل عاملًا حاسمًا في هذا التحول إذ إن النزاعات التي تفشل في الحسم العسكري عادة ما تخلق مناطق خارجة عن السيطرة، تتحول تدريجيًا إلى ملاذات للتنظيمات المسلحة وفي السودان، تمتد هذه المناطق على مساحات شاسعة يصعب ضبطها، ما يسمح بإنشاء معسكرات تدريب وممرات تهريب دون رصد فعال.
تقارير أمنية دولية حذرت من أن إدارة الصراع القائمة على الخيار العسكري فقط تزيد من احتمالات تمدد التنظيمات المتشددة، فكلما طال أمد الحرب، زادت قدرة هذه التنظيمات على التجنيد بين الشباب العاطلين والنازحين، خصوصًا في ظل الانهيار الاقتصادي الحاد وغياب الخدمات الأساسية، وهنا يتشكل الرابط الأخطر الحاجة المعيشية تتحول إلى بوابة أيديولوجية.
وتعززت هذه المخاوف بعد تداول تسجيلات مصورة لمقاتلين يمارسون عمليات قتل مروعة بأساليب مشابهة لما استخدمته تنظيمات مثل داعش والقاعدة، هذه المشاهد لم تُقرأ فقط كجرائم حرب، بل كمؤشر على تسرب ثقافة العنف الجهادي إلى سلوك الفصائل المسلحة المحلية، وهو تطور غالبًا ما يسبق اندماج الجماعات المحلية في شبكات أكثر تطرفًا.
قلق دولي
اللافت، أن تنظيم داعش نفسه أبدى اهتمامًا مباشرًا بالساحة السودانية، إذ دعا مقاتلين أجانب إلى التوجه إليها، هذه الدعوة تعني من الناحية العملياتية أن التنظيم يرى في السودان بيئة قابلة للتحول إلى نقطة ارتكاز لوجستية، خصوصًا مع قربه من مناطق نشاطه في الساحل الإفريقي والقرن الإفريقي، فالسودان يمثل حلقة وصل جغرافية بين شمال إفريقيا ووسطها والشرق الإفريقي، ما يمنح أي تنظيم يتمركز فيه قدرة على الحركة عبر ثلاث دوائر أمنية في آن واحد.
القلق الدولي لم يقتصر على التصريحات السياسية، فقد أشارت تقارير استخباراتية أمريكية إلى أن البلاد قد تتحول إلى بيئة مثالية للشبكات الإرهابية والإجرامية العابرة للحدود. أما مجلس الأمن الدولي فقد حذر بدوره من احتمال تحول السودان إلى ملاذ آمن للتنظيمات المتطرفة في حال استمرار الحرب دون تسوية سياسية.
الأرقام المتاحة، رغم محدوديتها، تعطي مؤشرًا مقلقًا. إذ تشير تقديرات أممية سابقة إلى وجود عشرات وربما مئات من عناصر داعش داخل السودان بالفعل، مع نشاط اقتصادي يستخدم في تمويل عمليات خارجية في غرب إفريقيا. هذا النموذج يشبه ما حدث في دول أخرى، حيث يبدأ الوجود محدودًا ثم يتوسع تدريجيًا مستفيدًا من اقتصاد الحرب والتهريب.
تحذيرات من التنظيمات المتشددة
ويحذر خبراء أمنيون من أن عودة بعض التيارات الإسلامية إلى المشهد السياسي والعسكري، مع ارتباطات تاريخية بتنظيمات متشددة، قد يضاعف من المخاطر فالتنظيمات الجهادية لا تحتاج بالضرورة إلى سيطرة كاملة؛ يكفيها وجود حاضنة اجتماعية جزئية ومناطق رخوة أمنيًا لتبدأ في بناء شبكاتها.
الأثر لن يبقى داخل السودان فتمركز تنظيم متطرف هناك سيهدد مباشرة دول الجوار الإفريقي والبحر الأحمر، وسيفتح مسارًا جديدًا للمقاتلين الأجانب نحو الشرق الأوسط كما قد يعيد المنطقة إلى نموذج التسعينات حين تحول السودان إلى مركز عبور لجماعات متشددة، لكن في سياق أكثر تعقيدًا نظرًا لانتشار الفوضى الإقليمية اليوم.
المعادلة واضحة استمرار الحرب يعني استمرار الفراغ، واستمرار الفراغ يعني نمو الفاعلين غير الدوليين لذلك يرى مراقبون أن التسوية السياسية لم تعد فقط مطلبًا إنسانيًا، بل ضرورة أمنية إقليمية ودولية فكل يوم إضافي من القتال لا يزيد عدد الضحايا فحسب، بل يوسع المجال أمام تشكل تهديد عابر للحدود قد يصعب احتواؤه لاحقًا.

العرب مباشر
الكلمات