مراكز القوى وفراغ السلطة.. هل تدخل الضفة الغربية مرحلة الصراع الداخلي؟

مراكز القوى وفراغ السلطة.. هل تدخل الضفة الغربية مرحلة الصراع الداخلي؟

مراكز القوى وفراغ السلطة.. هل تدخل الضفة الغربية مرحلة الصراع الداخلي؟
الضفة الغربية

لم يكن اتفاق أوسلو مجرد وثيقة سياسية وُقعت في واشنطن عام 1993، بل كان إطارًا قانونيًا وتنظيميًا أعاد تعريف الجغرافيا السياسية للضفة الغربية، وقسّمها إلى مناطق حكم متفاوتة الصلاحيات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. 

طوال ثلاثة عقود، ظل الاتفاق ـ رغم هشاشته ـ المرجعية التي تضبط شكل العلاقة اليومية على الأرض من إصدار تراخيص البناء إلى إدارة الأمن المحلي، لكن القرارات الأخيرة الصادرة عن المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر «الكابينت» تشير إلى تحول نوعي لا يقتصر على تعديل إجراءات إدارية أو أمنية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك البنية التي قام عليها الاتفاق نفسه فبدل الصراع على تفسير أوسلو، يبدو أن الصراع بات حول وجوده من الأساس، المسألة لم تعد تتعلق بمستقبل الدولة الفلسطينية فقط، بل بطبيعة النظام القانوني الذي يحكم الضفة الغربية، هل تبقى أرضًا ذات وضع انتقالي أم تتحول عمليًا إلى مساحة خاضعة لسيادة إسرائيلية تدريجية بلا إعلان رسمي؟

قرارات تغير قواعد اللعبة


القرارات التي أعلنها وزير الدفاع يسرائيل كاتس ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش تشكل حزمة مترابطة هدفها إعادة توزيع الصلاحيات المدنية والأمنية في الضفة الغربية، أبرزها فتح سوق الأراضي أمام المستوطنين بشكل مباشر، دون الحاجة لإجراءات الترخيص المعقدة التي كانت قائمة منذ توقيع الاتفاق، عمليًا، يتحول امتلاك الأراضي من عملية استثنائية إلى نشاط اقتصادي اعتيادي، ما يخلق ديناميكية استيطانية قائمة على السوق بدل القرار العسكري فقط.

كما شملت الإجراءات فتح سجلات الأراضي للمراجعة العامة، وهو إجراء إداري يبدو تقنيًا لكنه يسمح بتحدي الملكيات الفلسطينية وإعادة تعريفها قانونيًا، في نزاعات الأراضي، يكفي إدخال عنصر الطعن القانوني لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي دون استخدام القوة المباشرة.

الأخطر أن صلاحيات الهدم والتنظيم لم تعد محصورة في المنطقة «ج»، بل امتدت إلى منطقتي «أ» و«ب»، أي إلى المناطق التي كانت تعتبر قلب الحكم الذاتي الفلسطيني. وهذا يعني أن الخط الفاصل بين السيطرة الإسرائيلية والإدارة الفلسطينية لم يعد قائمًا عمليًا.

من الحكم الذاتي إلى الإدارة البلدية

تقسيم الضفة الغربية وفق أوسلو كان يقوم على معادلة واضحة، المنطقة «أ»: إدارة وأمن فلسطينيان، المنطقة «ب»: إدارة فلسطينية وأمن إسرائيلي،المنطقة «ج»: سيطرة إسرائيلية كاملة.

لكن القرارات الجديدة تُدخل نموذجًا مختلفًا، إدارة إسرائيلية شاملة مع إبقاء الفلسطينيين في مستوى خدماتي محلي فقط.
فانتقال صلاحيات الترخيص والبناء من بلدية الخليل إلى جهات إسرائيلية، وإنشاء هيئة إسرائيلية لإدارة مواقع دينية داخل مناطق السلطة، يعني أن مفهوم السيادة الجزئية الذي نص عليه الاتفاق يتلاشى لصالح نموذج «إدارة السكان دون الأرض».

هذا النموذج ليس جديدًا في الفكر السياسي الإسرائيلي اليميني؛ فهو يقوم على توسيع السيطرة الجغرافية مع تقليص المسؤولية الديموغرافية، أي السيطرة على الأرض دون ضم السكان رسميًا.

تداعيات سياسية وأمنية


السماح بالشراء المباشر للأراضي يحول الاستيطان من مشروع أيديولوجي إلى منظومة اقتصادية، فعندما يصبح الاستثمار العقاري ممكنًا للأفراد والشركات، فإن توسع المستوطنات لن يحتاج إلى قرار حكومي مركزي، بل سينمو تلقائيًا بفعل العرض والطلب.

وهنا تكمن خطورة القرار لأنه يجعل التراجع السياسي مستقبلاً شبه مستحيل، فإلغاء مستوطنة أُنشئت بقرار حكومي أسهل من تفكيك آلاف الملكيات الخاصة المحمية قانونيًا.

المعارضة الإسرائيلية نفسها حذرت من أن هذه الخطوات قد تؤدي إلى انهيار السلطة الفلسطينية.

إسقاط السلطة لا يعني فقط فراغًا إداريًا، بل فراغًا أمنيًا يضع إسرائيل أمام خيارين كلاهما مكلف، إعادة الاحتلال المباشر أو مواجهة فوضى مسلحة واسعة.

كما أن نقل الصراع إلى داخل مناطق «أ» و«ب» يغير طبيعة الاحتكاك اليومي، إذ تتحول المدن الفلسطينية من مناطق حكم ذاتي إلى مناطق نزاع مباشر، ما يرفع احتمالات انفجار أمني واسع.

نهاية تدريجية لاتفاق أوسلو

المنظمات الحقوقية الإسرائيلية والفلسطينية ترى أن القرارات الجديدة لا تعد خرقًا جزئيًا للاتفاق بل إلغاءً عمليًا له.
فالسيطرة المدنية الإسرائيلية داخل مناطق الحكم الذاتي تنفي الفكرة الأساسية لأوسلو: المرحلة الانتقالية نحو دولة فلسطينية.

بمعنى آخر، لم يُعلن انتهاء الاتفاق رسميًا، لكنه فقد وظيفته، فالوثيقة التي كانت تحدد من يملك القرار في كل شارع وقرية، لم تعد تنطبق على الواقع الجديد.

النتيجة الأكثر وضوحًا هي انتقال الضفة الغربية من نموذج «نزاع على السيادة» إلى نموذج «إدارة أحادية الجانب»،وفي هذا النموذج، تصبح الدولة الفلسطينية غير قابلة للتحقق ماديًا قبل أن تصبح مستحيلة سياسيًا.

التوازنات داخل النظام

وفي هذا السياق يرى أستاذ العلوم السياسية د. طارق فهمي، أن التحولات الجارية لا تهدد فقط العلاقة بين الفلسطينيين وإسرائيل، بل قد تعيد ترتيب التوازنات داخل النظام السياسي الفلسطيني نفسه.

 

ويقول في حديثه لـ"العرب مباشر": إن نقل الصراع من حدود المنطقة «ج» إلى عمق المناطق «أ» و«ب» يضع السلطة الفلسطينية أمام معادلة شديدة التعقيد فهي مطالبة بالحفاظ على دورها الإداري والأمني، بينما تُسحب أدوات هذا الدور تدريجيًا من يدها.

 

ويضيف فهمي، أن الخطر الأكبر يتمثل في تحوّل الضفة الغربية إلى ساحة تنافس داخلي بين مراكز القوى الفلسطينية، لأن تآكل صلاحيات السلطة سيُضعف شرعيتها الوظيفية التي قامت أساسًا على إدارة الحياة اليومية للفلسطينيين، ومع تقلص قدرتها على تقديم الخدمات والحماية القانونية للأراضي والممتلكات، قد تتجه قوى سياسية وفصائلية إلى ملء الفراغ، ما يخلق تعددية ميدانية في القرار وليس فقط اختلافًا سياسيًا.

 

ويتابع: أن الحكومة الفلسطينية قد تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ إما الاستمرار في دور إداري محدود أشبه ببلديات موسعة، أو التصعيد السياسي الذي قد يفقدها ما تبقى من القدرة على العمل، وفي الحالتين، تصبح الضفة مرشحة ليس فقط لمواجهة مع إسرائيل، بل أيضًا لصراع داخلي على تمثيل الفلسطينيين وإدارة الواقع الجديد.