قوافل الإغاثة تُقصف والأطفال ينهكون.. خريطة الجوع تتسع فى السودان
قوافل الإغاثة تُقصف والأطفال ينهكون.. خريطة الجوع تتسع فى السودان
لم يعد الجوع فى السودان احتمالًا إنسانيًا بعيدًا، بل واقعًا يتشكل تدريجيًا فى خرائط المدن والقرى التى أنهكتها الحرب. فبينما يتواصل الصراع العسكرى منذ أبريل 2023 دون أفق واضح، بدأت ملامح كارثة أكبر تتجاوز المعارك والسلاح، لتطال بقاء السكان أنفسهم.
التقارير الأممية الأخيرة تشير إلى تحول الأزمة الغذائية إلى مرحلة أكثر خطورة، مع ظهور مؤشرات مجاعة فعلية فى مناطق جديدة شمال دارفور، بالتزامن مع استهداف قوافل الإغاثة والمنشآت الطبية، ما يعمق عزلة المدنيين ويجعل المساعدات أقل قدرة على الوصول.
فى المقابل، تظهر تحركات سياسية دولية تتحدث عن اقتراب اتفاق لإنهاء الحرب، فى مفارقة حادة بين لغة الدبلوماسية المتفائلة ومشهد إنسانى يزداد قتامة يومًا بعد يوم.
وهكذا يقف السودان عند نقطة فاصلة، سلام يلوح فى الأفق، لكن سكانًا قد لا يصلون إليه إذا استمرت المجاعة فى التقدم أسرع من المفاوضات.
تحذيرات أممية
أطلقت منظومة التصنيف المرحلى المتكامل للأمن الغذائى (IPC) تحذيرًا جديدًا يشير إلى انتقال خطر المجاعة إلى مدينتى كرنوى وأم برو فى شمال دارفور، وهما منطقتان تقعان قرب الحدود مع تشاد وتستقبلان موجات نزوح كثيفة منذ سقوط مدينة الفاشر فى يد قوات الدعم السريع نهاية العام الماضى.
هذا التحول ليس مجرد ارتفاع فى معدلات الفقر الغذائى، بل وصول إلى ما يُعرف تقنيًا بـ«عتبة المجاعة»، حيث يصبح سوء التغذية الحاد بين الأطفال مؤشرًا على انهيار المنظومة المعيشية بالكامل.
الأرقام الواردة فى التقرير تعكس خطورة غير مسبوقة، أكثر من 18% من الأطفال فى أم برو يعانون من سوء تغذية حاد وخيم، وهو معدل يضع المنطقة ضمن أعلى درجات الطوارئ الإنسانية عالميًا، فيما سجلت كرنوى نحو 7.8%، وهو رقم أقل لكنه يظل ضمن نطاق الخطر المرتفع، هذه النسب تعنى أن المجتمع المحلى فقد قدرته على إنتاج الغذاء أو الحصول عليه عبر الأسواق، ما يشير إلى توقف الدورة الاقتصادية المحلية بالكامل.
أرقام مفزعة
الأزمة لا تتوقف عند هاتين المدينتين، فبحسب التقرير، يعانى أكثر من 21 مليون سودانى أى ما يقارب نصف السكان من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائى الحاد، كما تواجه قرابة 20 منطقة أخرى فى دارفور وكردفان خطر الانزلاق إلى المجاعة فى حال استمرار الظروف الحالية، السبب الجوهرى هنا مركب النزوح الجماعى، وانقطاع سلاسل الإمداد، وتدمير البنية التحتية، إلى جانب القيود الأمنية التى تمنع وصول المساعدات بشكل منتظم.
عمليات الإغاثة في خطر
وقوع الفاشر في قلب مناطق القتال كان أمرًا شكل نقطة تحول رئيسية فى المشهد الإنسانى فالفاشر كانت مركزًا لوجستيًا رئيسيًا لإيصال الغذاء والدواء إلى دارفور، ومع سقوطها، تحولت مناطق واسعة إلى جيوب شبه معزولة، حيث يعتمد السكان على طرق تهريب غير مستقرة أو على مخزون محدود ينفد تدريجيًا، كما أدى تدفق النازحين إلى تضخم عدد السكان فى مناطق محدودة الموارد أصلًا، ما سرّع الوصول إلى مرحلة المجاعة.
وفى الوقت ذاته، تتعرض عمليات الإغاثة نفسها للخطر، فقد أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل شخص وإصابة ثلاثة آخرين بعد استهداف قافلة أممية فى شمال كردفان كانت فى طريقها إلى مدينة الأبيض.
كما أسفر قصف مستشفى «الكويك» العسكرى فى جنوب كردفان عن مقتل 22 شخصًا بينهم كوادر طبية، هذه الحوادث لا تمثل فقط خسائر بشرية، بل تؤدى عمليًا إلى تعطيل خطوط المساعدات؛ إذ غالبًا ما تنسحب المنظمات أو تقلص نشاطها عقب استهداف مباشر، ما يضاعف معاناة المدنيين.
وعود أمريكية
المشهد العسكرى بدوره يتوسع جغرافيًا، فى إقليم النيل الأزرق، أعلن مسؤول محلى أن الجيش السودانى استخدم المدفعية الثقيلة لصد قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال التى حاولت التقدم نحو مدينة الكرمك قرب الحدود الإثيوبية.
هذا التوسع يوضح أن الحرب لم تعد محصورة فى العاصمة أو دارفور، بل أصبحت نزاعًا متعدد الجبهات، ما يعنى استنزافًا أكبر للموارد وارتفاع أعداد النازحين المحتملين.
وسط هذه الصورة القاتمة، برزت تصريحات أمريكية تفيد بأن نهاية الحرب أصبحت «قريبة جدًا»، مع الحديث عن صيغة شبه نهائية لاتفاق مرتقب، غير أن المفارقة تكمن فى أن توقيت السلام إن تحقق قد لا ينعكس فورًا على الوضع الإنسانى، فالتجارب السابقة فى النزاعات تشير إلى أن المجاعات لا تتوقف بمجرد وقف إطلاق النار، إذ يحتاج النظام الغذائى إلى أشهر طويلة لإعادة بناء الأسواق والطرق الزراعية، فضلًا عن عودة السكان إلى أراضيهم.

العرب مباشر
الكلمات