شبكات النفوذ الخفي.. كيف أعادت الأيديولوجيا الإخوانية إنتاج الفوضى في السودان؟
شبكات النفوذ الخفي.. كيف أعادت الأيديولوجيا الإخوانية إنتاج الفوضى في السودان؟
لم تكن الحرب الدائرة في السودان مجرّد صراع على السلطة بين جنرالين، أو جولة جديدة من نزاعات تعوّد عليها بلد يعاني هشاشة سياسية مزمنة؛ بل جاءت لتكشف بنية أعمق من التشابكات الأيديولوجية والتنظيمية، التي تمتد جذورها إلى ثلاثة عقود مضت، حين تحوّل السودان إلى نقطة التقاء لحركات الإسلام السياسي العابرة للحدود، ومع عودة بعض رموز النظام القديم بعد انقلاب 2021، بدأ مشهد الصراع يأخذ طابعًا أكثر تعقيدًا، ليعيد إلى الواجهة إرثًا ثقيلًا من التحالفات بين جماعات متطرفة وشبكات تمويل متداخلة، تزامنت مع بيئة أمنية هشة تُغري القوى الإقليمية والدولية باستغلال الفراغ.
تقرير أمريكي حديث سلط الضوء على هذه التداخلات، كاشفًا الدور الكبير الذي لعبته جماعة الإخوان وشركاؤها في إذكاء الحرب، وإعادة السودان إلى دائرة الاستقطاب الدولي، وتحويله — مجددًا — إلى ساحة يمكن أن تعبر من خلالها تهديدات تمتد آثارها إلى البحر الأحمر وإسرائيل وصولًا إلى الولايات المتحدة. وفي مقابل هذا المشهد المأزوم، يقترح التقرير "روشتة" لما يراه خطوة نحو إعادة البلاد إلى مسار الحكم المدني وإنهاء الفوضى.
حقبة البشير
على مدى سنوات طويلة، شكّلت جماعة الإخوان المسلمين جزءًا أصيلًا من العمود الفقري للبنية السياسية السودانية، مستفيدةً من الفراغات المؤسسية والانقسامات المتكررة، ويشير التقرير المشار إليه – الصادر عن موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي – إلى أن أيديولوجيا الجماعة كانت أحد أبرز المعوقات أمام محاولات الدولة للانتقال نحو نظام سياسي مستقر، بل إنها لعبت دورًا مباشرًا في توجيه السودان نحو سياسات عزّزت العداء مع الغرب، ورسخت مناخًا مناسبًا لنمو الجماعات المتطرفة.
يعود التقرير إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما احتضن السودان شخصيات بارزة مثل أسامة بن لادن، الذي وجد حينها في الخرطوم بيئة مثالية لبناء شبكات تمويل ومعسكرات تدريب، كانت تلك المرحلة نقطة تحول مثّلت لاحقًا امتدادًا منطقيًا لموجة العنف التي هزّت الولايات المتحدة في 11 سبتمبر.
وبرأي التقرير، فإن إخفاق إدارة كلينتون في استهداف تلك الشبكات حينها سمح لها بالتمدّد نحو فضاءات أكثر خطورة.
ويسترجع التقرير حقبة الرئيس عمر البشير، الذي استولى على السلطة عام 1989، فقد وفرت سياساته – المرتبطة مباشرة بدوائر الإخوان – مظلة صلبة لإعادة بناء منظومة حكم قائمة على الشريعة بصيغتها المتشددة، وسط اتهامات دولية واسعة بارتكاب انتهاكات ممنهجة وجرائم إبادة في دارفور، ومع الوقت، تحوّلت البلاد إلى نموذج لحكومة أيديولوجية منغلقة، دفعت واشنطن إلى فرض عقوبات مشددة أثرت على الاقتصاد والدبلوماسية السودانية لسنوات.
إجهاض التحول المدني
انقلاب 2019 الذي أطاح بالبشير فتح نافذة أمل، تجسدت في حكومة مدنية بقيادة عبد الله حمدوك، حاولت إعادة السودان إلى محيطه الدولي عبر خطوات جريئة، شملت محاربة الفساد، وإعادة بناء العلاقات مع الولايات المتحدة، والدخول في مسار اقتصادي جديد. لكن هذه المرحلة لم تدم طويلًا، إذ تحركت مراكز القوى المرتبطة بالنظام السابق داخل المؤسستين الأمنية والعسكرية لإجهاض التحول المدني.
وجاء انقلاب 2021 ليعيد المشهد إلى نقطة الصفر. فوفق التقرير، أعادت تلك الخطوة تمكين شبكات كانت متحالفة مع الإخوان، بعضها يمتلك صلات قديمة بحركات مثل حماس وشخصيات مصنّفة دوليًا.
ويمضي التقرير ليكشف، أن البيئة الأمنية الجديدة سمحت بعودة رجال أعمال وبنى مالية كانت قد استهدفتها واشنطن سابقًا، معتبرًا أن هذا المناخ أتاح مسارات تمويل جديدة وعلاقات عابرة للحدود.
ويذهب التقرير أبعد من ذلك، إذ يشير إلى أن نمط "ثقافة الإبادة"، كما يسميه، لم يظل محصورًا داخل السودان، بل انتقل – بحسب التحليل – إلى ساحات أخرى بينها إسرائيل، مستشهدًا بدور شخصيات تلقت تعليمها أو نشاطها داخل الخرطوم خلال التسعينيات، ثم برزت لاحقًا في قيادة أجنحة عسكرية في حماس.
أما على الصعيد الإقليمي، فقد تسببت الحرب في خلق بيئة جذابة لتدخلات خارجية، من بينها دور إيراني متنامٍ، ودعم لوجستي لجهات مسلحة في المنطقة، بما في ذلك الحوثيون الذين بات لهم وجود بالقرب من ممرات التجارة العالمية في البحر الأحمر.
يتعامل التقرير مع هذه التطورات باعتبارها إنذارًا مبكرًا من إعادة إنتاج ظروف ما قبل 11 سبتمبر، ويرى أن تجاهل التحذيرات قد يفضي إلى ولادة أزمة أمنية جديدة تتجاوز حدود السودان.
خطوات أكثر صرامة ضد شبكات الإخوان
ويقدّم "ذا ناشيونال إنترست" وصفة لمواجهة هذا الاتجاه، تبدأ بإنهاء انقلاب 2021 وعودة الحكم المدني، مع ضرورة فرض آليات واضحة لوقف إطلاق النار بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ويرى التقرير أن شخصية عبد الله حمدوك قادرة على لعب دور محوري في المرحلة المقبلة، إذا جرى دعمه إقليميًا ودوليًا، لا سيما من الدول الموقعة على اتفاقات إبراهيم.
كما يوصي التقرير الولايات المتحدة باتخاذ خطوات أكثر صرامة ضد شبكات التمويل المرتبطة بالإخوان، بما في ذلك تسليم المطلوبين وإعادة محاكمة العناصر التي تمت إعادة تأهيلها سياسيًا بعد الانقلاب.
ورغم أن التقرير يحمل رؤية حادة وربما مثيرة للجدل، إلا أنه يعكس قلقًا دوليًا متزايدًا من أن تستمر الحرب السودانية في التحول إلى منصة مفتوحة للتطرف والارتزاق السياسي، ما يعيد المنطقة إلى مربع الصراعات العابرة للحدود، ويجعل من البحر الأحمر ساحة تنافسية بين قوى تسعى لتوسيع نفوذها ولو على حساب سلامة الملاحة العالمية.

العرب مباشر
الكلمات