مئات الملايين عبر العملات المشفرة.. كيف استخدمت طهران " تيذر" لتجاوز العقوبات؟

مئات الملايين عبر العملات المشفرة.. كيف استخدمت طهران " تيذر" لتجاوز العقوبات؟

مئات الملايين عبر العملات المشفرة.. كيف استخدمت طهران
العملات المشفرة

كشف تقرير جديد أن البنك المركزي الإيراني لجأ إلى استخدام كميات واسعة من العملات المشفرة، وتحديدًا العملة الرقمية المستقرة الصادرة عن شركة تيذر، في خطوة تبدو جزءًا من استراتيجية ممنهجة للالتفاف على العقوبات الدولية المفروضة على البلاد، وفقًا لما نشرته صحيفة "الجارديان" البريطانية.

وبحسب التقرير الصادر عن شركة إليبتيك المتخصصة في تحليل وتتبع أنشطة العملات المشفرة، تم رصد مرور ما لا يقل عن 507 ملايين دولار من عملة تيذر عبر حسابات يُعتقد بدرجة عالية من الثقة أنها خاضعة لسيطرة البنك المركزي الإيراني. 

وتعد تيذر من أبرز العملات الرقمية المستقرة المرتبطة بالدولار الأميركي، ما يجعلها قابلة للتحويل بسهولة إلى عملات صعبة واستخدامها في التجارة الدولية.

تجميع منهجي للعملات المستقرة


أوضح تقرير إليبتيك، أن البيانات تشير إلى ما وصفه بالتجميع المنهجي لعملات تيذر من قبل البنك المركزي الإيراني، في نمط يعكس استراتيجية متطورة لتجاوز النظام المصرفي العالمي. 

ويرجح التقرير أن هذه الآلية تُستخدم إما لتسهيل عمليات تجارية خارج القنوات الرسمية، أو لدعم العملة المحلية الإيرانية، الريال، في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه إيران أوضاعًا داخلية متوترة، حيث قُتل آلاف الأشخاص وفق تقديرات موثقة خلال القمع العنيف للاحتجاجات. 

ويثير الكشف عن استخدام النظام الإيراني لعملات تيذر الرقمية تساؤلات سياسية وأخلاقية بشأن الدعم العلني الذي يقدمه بعض السياسيين الغربيين لهذه العملة المشفرة.

ارتباطات سياسية في بريطانيا


وسلط التقرير الضوء على موقف نايجل فاراج، زعيم حزب إصلاح المملكة المتحدة، المعروف بدعمه العلني للعملات الرقمية المستقرة وعلى رأسها تيذر. 

وكان فاراج قد أعلن في سبتمبر الماضي عزمه إثارة موضوع تيذر خلال اجتماع مع محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي، منتقدًا القيود المفروضة على العملات المشفرة في بريطانيا، وداعيًا لندن إلى اللحاق بالولايات المتحدة في هذا المجال.

كما دعا فاراج -في تصريحات سابقة- إلى تبني العملات المستقرة وتنظيمها بشكل يسمح بتحويل لندن إلى مركز عالمي لتداول الأصول الرقمية، معتبرًا أن هذا القطاع يشهد نموًا هائلاً ويستحق احتضانًا مؤسسيًا منظمًا.

ويكتسب هذا الجدل بعدًا إضافيًا في ضوء أن أحد كبار مساهمي شركة تيذر، المستثمر التكنولوجي كريستوفر هاربورن، يُعد أكبر متبرع لحزب إصلاح. 

وقد أكد محامو هاربون أنه لا يشغل أي منصب تنفيذي في تيذر، ولا يتحمل مسؤولية أي استخدام غير مشروع لمنتجاتها، واصفين الادعاءات حول استفادته من استخدام إيران لعملة تيذر بأنها ادعاءات لا أساس لها من الصحة.

من جهته، قال متحدث باسم حزب إصلاح المملكة المتحدة: إن تيذر تُستخدم من قبل العديد من الشركات والمؤسسات حول العالم، مشددًا على أن جميع التبرعات للحزب تتوافق مع القوانين واللوائح الانتخابية، وأن الحزب يواصل دعمه للشعب الإيراني في سعيه نحو الحرية.

أرباح هائلة وطلب متزايد

ويشير التقرير إلى أن الطلب المتنامي على عملة تيذر، المعروفة باسم USDT، أسهم في تحقيق أرباح ضخمة للشركة من خلال الاحتياطيات النقدية التي تحتفظ بها للحفاظ على ارتباط العملة بالدولار. وبلغت أرباح تيذر السنوية نحو 13 مليار دولار، أي ما يعادل مرة ونصف أرباح شركة ماكدونالدز العالمية.

غير أن جزءًا من هذا الطلب يأتي من مصادر غير مشروعة أو من دول تخضع لعقوبات صارمة. ففي ظل القيود التي تفرضها العقوبات الأميركية والدولية، والتي تعيق قدرة إيران على التجارة وشراء العملات الأجنبية وفتح حسابات مصرفية، يبدو أن الأفراد والسلطات في إيران وجدوا في العملات المستقرة بديلاً عملياً للنظام المصرفي التقليدي.

حسابات مرتبطة بالحرس الثوري

وكانت إسرائيل قد أعلنت العام الماضي عن كشف عشرات الحسابات المشفرة التي قالت إنها تُستخدم من قبل الحرس الثوري الإيراني. 

وأدى ذلك إلى انتقادات علنية من رجل أعمال إيراني بارز، اشتكى عبر منصة إكس من فشل السلطات في الحفاظ على سرية تعاملاتها المالية، مشيرًا إلى رقمين لحسابات مشفرة قال إنها تعود للبنك المركزي الإيراني.

ومن خلال هذا الكشف غير المقصود، تمكن باحثو إليبتيك من تتبع صلات بين نحو 50 حسابًا مشفرًا، وانتهوا إلى استنتاج، بدرجة عالية من الثقة، بأنها خاضعة لسيطرة البنك المركزي الإيراني.

موقف تيذر من الاتهامات


وفي تعليقها على القضية، لم تتناول شركة تيذر بشكل مباشر الأسئلة المتعلقة باستخدام البنك المركزي الإيراني لعملتها المستقرة، لكنها أكدت التزامها بسياسة عدم التسامح مطلقاً مع الاستخدام الإجرامي لمنتجاتها المالية.

وأوضحت الشركة، أنها تلتزم بإرشادات العقوبات الأميركية، وتعمل بشكل وثيق مع أجهزة إنفاذ القانون حول العالم لتحديد وتجميد الأصول المرتبطة بأنشطة غير قانونية فور طلب ذلك. 

وأضافت أنها تعاونت مع أكثر من 310 جهة إنفاذ قانون في 62 دولة، وقامت بتجميد أصول تتجاوز قيمتها 3.4 مليار دولار مرتبطة بأنشطة إجرامية.

 

وأكدت تيذر أنها جمدت الحسابات المشتبه بارتباطها بالحرس الثوري الإيراني والتي حددتها إسرائيل العام الماضي، غير أن التقرير يشير إلى أن غالبية الحسابات التي يُعتقد أنها استُخدمت من قبل البنك المركزي الإيراني ما تزال نشطة حتى الآن، ما يثير تساؤلات إضافية حول فعالية الرقابة الدولية على استخدام العملات المشفرة في ظل العقوبات.