عشرات القتلى على المثلث الحدودي.. «تيلابيري» تدفع ثمن الفوضى الدامية في النيجر

عشرات القتلى على المثلث الحدودي.. «تيلابيري» تدفع ثمن الفوضى الدامية في النيجر

عشرات القتلى على المثلث الحدودي.. «تيلابيري» تدفع ثمن الفوضى الدامية في النيجر
النيجر

على أطراف النيجر الغربية، حيث تتشابك الحدود مع بوركينا فاسو ومالي، لم تعد القرى تنام على وقع الرياح ولا تستيقظ على أصوات الحقول، بل على صدى الرصاص ووقع أقدام الموت القادم من الصحراء. في تلك الجغرافيا الهشة، تتحول الحياة اليومية إلى رهينة جماعات مسلحة لا تعترف بحدود ولا بقانون. 

هجوم قرية «بوسيي» الأخير، الذي أودى بحياة عشرات المدنيين، لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل فصلًا جديدًا في سردية دم طويلة تحاصر منطقة «تيلابيري» منذ سنوات، هناك، حيث تتقاطع طرق التهريب مع مسارات التطرف، بات السكان عالقين بين مطرقة الإرهاب وسندان العجز الحكومي. ومع كل مجزرة جديدة، تتعمق الأسئلة حول قدرة الدولة على استعادة السيطرة، وحول مستقبل منطقة أصبحت تُصنّف اليوم باعتبارها الأكثر دموية في كامل الساحل الأفريقي.

مجزرة ضد المدنيين

في الساعات الأولى من الهجوم، تحولت قرية «بوسيي» الصغيرة إلى مسرح مأساة. مسلحون مجهولون اقتحموا التجمع السكني، وأعدموا 31 مدنيًا بدم بارد، في مشهد وصفه أبناء المنطقة بأنه «شنيع وهمجي». لم يكن الضحايا جنودًا أو عناصر أمن، بل مزارعين وسكانًا عاديين، وجدوا أنفسهم في قلب حرب لم يختاروها.

تقع «بوسيي» في إقليم «تيلابيري»، المنطقة التي أصبحت خلال عام 2025 العنوان الأبرز للعنف في النيجر. فوفق بيانات «مشروع بيانات النزاعات المسلحة»، سجل الإقليم أكثر من 1200 قتيل خلال عام واحد، متصدرًا قائمة المناطق الأكثر دموية في الساحل بأسره. 

هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الخسائر البشرية، بل تكشف عمق الانهيار الأمني في فضاء جغرافي بالغ الحساسية.

المنطقة الحدودية بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو تحولت خلال العقد الأخير إلى ملاذ مفتوح لجماعات مرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش».

ضعف الدولة، واتساع الصحراء، وتداخل الأعراق والقبائل عبر الحدود، كلها عوامل ساهمت في خلق بيئة مثالية لتمدد تلك التنظيمات، ومع كل ضربة عسكرية أو حملة أمنية، تعاود الجماعات الظهور بأساليب أكثر وحشية، مستهدفة المدنيين لإرسال رسائل رعب تتجاوز القرية إلى كامل الإقليم.

تعبئة عامة


بيان تجمع الطلاب المنتمين للمنطقة، الذي وصف المهاجمين بأنهم «أفراد لا يحكمهم دين ولا قانون»، يعكس حالة الغضب واليأس في آن واحد. فالشباب، الذين يفترض أن يكونوا ركيزة المستقبل، يرون قراهم تتحول إلى نقاط سوداء على خرائط الأخبار العاجلة، بينما يغيب الأفق السياسي والأمني القادر على كسر الدائرة المغلقة للعنف.

أمام هذا الواقع، أعلن المجلس العسكري الحاكم في النيجر في ديسمبر الماضي «التعبئة العامة» لمواجهة التنظيمات الإرهابية.

 القرار يمنح الدولة صلاحيات واسعة لتسخير الأفراد والممتلكات والخدمات في سبيل «الدفاع عن الوطن»، في إشارة إلى حجم التحدي الذي يواجهه النظام الجديد. غير أن التعبئة، في نظر كثيرين، ليست سوى اعتراف ضمني بأن البلاد تخوض حرب بقاء في مواجهة خصم غير تقليدي.

النيجر، التي عانت طوال عشر سنوات من هجمات دامية، تجد نفسها اليوم في قلب معادلة إقليمية معقدة. فانسحاب القوات الغربية، وتبدل التحالفات بعد الانقلابات العسكرية في دول الساحل، أوجد فراغًا أمنيًا واسعًا.

 هذا الفراغ استثمرته الجماعات المتطرفة لتوسيع نفوذها، ليس فقط عبر السلاح، بل عبر فرض أنماط حكم بديلة في بعض المناطق الريفية، مستفيدة من تهميش تاريخي وفقر مزمن.

بحسب منظمة «أكليد» المتخصصة في إحصاء ضحايا النزاعات، أسفرت الهجمات الإرهابية في النيجر عن نحو ألفي قتيل منذ بداية العام. هذه الحصيلة الثقيلة تعني أن البلاد تسير بوتيرة ثابتة نحو استنزاف بشري واقتصادي يهدد استقرارها الداخلي. 

فالقرى المهجورة، والمدارس المغلقة، وطرق التجارة المقطوعة، كلها نتائج مباشرة لحرب غير متكافئة بين دولة محدودة الإمكانات وشبكات مسلحة عابرة للحدود.

الهجوم على «بوسيي» يعيد طرح سؤال جوهري: هل تكفي المقاربة العسكرية وحدها؟ التجارب السابقة في الساحل تشير إلى أن السلاح، وإن كان ضروريًا، لا يحقق نصرًا دائمًا ما لم يُرفق بمسار تنموي يعالج جذور الأزمة. فالتطرف في هذه المناطق لا يولد من فراغ، بل من شعور مزمن بالإقصاء، وغياب الخدمات، وانعدام الفرص.

ومع كل مجزرة، تتآكل ثقة السكان في قدرة الدولة على حمايتهم، ما يدفع بعضهم إلى النزوح، وآخرين إلى البحث عن حماية بديلة، حتى لو جاءت من جماعات مسلحة. هنا تكمن خطورة اللحظة: فالصراع لم يعد فقط بين الجيش والإرهابيين، بل بات معركة على ولاء المجتمعات المحلية نفسها.