تدخل دبلوماسي عاجل في دافوس لاحتواء تصعيد ترامب حول غرينلاند
تدخل دبلوماسي عاجل في دافوس لاحتواء تصعيد ترامب حول غرينلاند
كشفت شبكة "سي إن إن" الأمريكية، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يواجه تدخلاً دبلوماسياً عاجلاً في دافوس، بعد أيام من إطلاق تهديدات حادة ضد حلفاء الولايات المتحدة على خلفية ملف غرينلاند، في أزمة متسارعة وضعت أوروبا في حالة استنفار، وتهدد، بحسب مسؤولين مطلعين، بقاء التحالف العابر للأطلسي الذي يمتد لأكثر من سبعة عقود.
وبحسب مصادر أوروبية مطلعة، يعتزم كبار المسؤولين الأوروبيين استغلال القمة السنوية للنخب السياسية والاقتصادية العالمية في دافوس كنقطة انطلاق لمحاولة احتواء أزمة آخذة في التفاقم، في وقت باتت فيه العلاقات مع واشنطن على المحك.
ويأتي هذا التحرك في ظل قلق متزايد داخل الدوائر الأوروبية من أن التصعيد الأميركي قد يقوض أسس الشراكة التاريخية مع الولايات المتحدة.
ولا يقتصر القلق على الحلفاء الأوروبيين، إذ أفاد مطلعون بأن بعض المقربين من ترامب أبدوا في جلسات خاصة تحفظات على نبرة الرئيس وتصريحاته، وبحثوا عن مخرج يخفف من حدة المواجهة المتصاعدة.
محاولات لخفض التصعيد
في المدى القريب، يهدف التحرك الأوروبي الطارئ إلى خفض التوتر بعد تعهد ترامب بفرض رسوم جمركية جديدة على أي حليف يعارض مسعاه للسيطرة الكاملة والتامة على غرينلاند. إلا أن الهدف الأوسع يتمثل في محاولة صرف الرئيس الأميركي بشكل عام عن حملته الرامية إلى الاستحواذ على الإقليم الدنماركي الواقع في القطب الشمالي.
وتتمحور بعض المسارات التي ركز عليها مستشارو ترامب ودبلوماسيون غربيون حول توسيع المعاهدات القائمة التي تسمح للولايات المتحدة بإقامة قواعد عسكرية ونشر موارد إضافية في غرينلاند، إلى جانب إضافة اتفاقات تجارية واقتصادية جديدة.
ويُرجح أن يتضمن أي اتفاق محتمل مراسم توقيع رسمية تتيح للرئيس الأميركي تقديمه كإنجاز سياسي.
كما طُرح خيار آخر يتمثل في وضع غرينلاند تحت صيغة اتفاقية الارتباط الحر، التي تتيح لها الحفاظ على وضعها الحالي مع منح الولايات المتحدة وصولاً أمنيًا أوسع مقابل تقديم مساعدات مالية.
وتخضع دول مثل بالاو وجزر مارشال وولايات ميكرونيزيا المتحدة لاتفاقيات مماثلة مع واشنطن.
وبالتوازي، جرت مناقشات أولية بشأن اقتراح إعادة التفاوض على اتفاق عام 1951 بين الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند، بهدف النص بشكل صريح على منع أي استثمارات صينية في الإقليم. ورغم إظهار الدنمارك تمسكًا واضحًا بأراضيها، عمل مسؤولون كبار في إدارة ترامب خلال الأسابيع الماضية على مقترح لشراء الجزيرة.
ترامب يتوقع صفقة ويواصل التصعيد
وقال ترامب، الذي وصل إلى دافوس في وقت مبكر من صباح الأربعاء، إنه سيعقد سلسلة اجتماعات مخصصة لملف غرينلاند، معرباً عن ثقته في التوصل إلى اتفاق وصفه بأنه سيكون جيدًا للجميع.
وأكد أن حلف شمال الأطلسي سيكون سعيدًا، وأن سكان غرينلاند، الذين خرجوا في احتجاجات ضد تهديدات الضم الأميركي، سيكونون في غاية السعادة.
ومن المتوقع أن يلتقي ترامب على هامش القمة بالأمين العام لحلف الناتو مارك روته، الذي عمل خلال الفترة الماضية على بناء علاقة وثيقة مع الرئيس الأميركي.
غير أن هذه التوقعات الإيجابية لم تمنع ترامب من مواصلة التشدد، إذ عاد ليؤكد أن الولايات المتحدة بحاجة إلى غرينلاند.
وعندما سُئل عن مدى استعداده للذهاب بعيدًا في سبيل السيطرة على الجزيرة القطبية، اكتفى بالقول: إن الأمر سيتضح لاحقًا، ملمحًا إلى إمكانية البحث عن بدائل إذا قضت المحكمة العليا الأميركية بعدم قانونية استخدامه الرسوم الجمركية كأداة ضغط.
وفي بيان رسمي، وصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي احتمال استحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند بأنه مكسب محتمل لحلف الناتو، معتبرة أن الحلف سيصبح أكثر قوة وفاعلية إذا أصبحت غرينلاند تحت السيطرة الأميركية، وأن سكانها سيكونون في وضع أفضل إذا حظوا بحماية الولايات المتحدة من التهديدات الحديثة في منطقة القطب الشمالي.
أوروبا تبحث عن وسائل للرد
في المقابل، ما يزال أقرب حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا يفتقرون إلى توافق واضح بشأن كيفية الرد في حال صعّد ترامب من لهجته العدائية.
ويرى خبراء، أن القارة مطالبة بإظهار موقف موحد وقوي إذا أرادت إحداث فارق حقيقي في مسار الأزمة.
ويبرز التوتر المتوقع خلال الساعات الثماني والأربعين المقبلة مدى الجدية التي باتت تنظر بها الدول الأوروبية إلى ما تصفه بتهديدات ذات طابع إمبراطوري، في ظل استمرار هجمات ترامب اللفظية على قادة عالميين.
كما دفعت أزمة غرينلاند إلى تغيير الحسابات لدى بعض العواصم الأوروبية، بعد عام اتجه فيه معظم الحلفاء الأميركيين إلى استرضاء ترامب بدلاً من مواجهته، انطلاقًا من قناعة بأن تلبية مطالبه كانت أقل كلفة من الدخول في صدام مباشر.
ويؤكد ترامب منذ فترة طويلة، أن غرينلاند تمثل أهمية حيوية للأمن القومي الأميركي، فضلاً عن ثرواتها المعدنية الهائلة. إلا أن هذا الطرح بلغ مستوى غير مسبوق خلال الأسبوع الأخير، مع تهديده بفرض رسوم جمركية على ثماني دول أوروبية، وتوجيهه رسائل علنية حادة إلى قادة النرويج وفرنسا.
وأثار التلويح بمعاقبة الحلفاء اقتصاديًا قلقًا واسعًا في أوروبا، حيث حذر مسؤولون من أن مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى تصدع حلف الناتو الذي يضم 32 دولة من أوروبا وأميركا الشمالية.
تحذيرات أوروبية وتصاعد نبرة الاستقلال
وخلال كلمته في دافوس، انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما وصفه بالتراكم المستمر للرسوم الجمركية الجديدة، معتبرًا إياها غير مقبولة على الإطلاق، ولا سيما عندما تُستخدم كأداة ضغط على السيادة الإقليمية.
من جهتها، دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في خطابها أمام المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى بناء شكل جديد من الاستقلالية الأوروبية في مواجهة التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
ويرى محللون، أن التهديد بفرض عقوبات اقتصادية نقل الأزمة من إطارها الدبلوماسي إلى أزمة اقتصادية وسياسية حقيقية، في وقت ما تزال فيه الرغبة قائمة لتجنب مزيد من التصعيد، مع شعور متزايد بضرورة اتخاذ موقف حازم.
خيارات رد قاسية على الطاولة
داخل الأوساط الدبلوماسية الأوروبية، جرى بحث مجموعة من الردود المحتملة، تبدأ بإعادة تفعيل رسوم جمركية انتقامية بقيمة 93 مليار يورو كان الاتحاد الأوروبي قد أرجأها بعد التوصل إلى اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة العام الماضي.
لكن ما بعد هذه الخطوة لا يزال محفوفاً بعدم اليقين، إذ تدرس الدول الأوروبية خيارات تشمل تقليص استثماراتها في سندات الخزانة الأميركية، أو فرض قيود إضافية على الشركات الأميركية، أو حتى تقييد وصول القوات الأميركية إلى القواعد العسكرية في أوروبا.
وجرى تداول سيناريوهات أكثر رمزية، مثل الانسحاب من بطولة كأس العالم المقبلة التي كثيرًا ما اعتبرها ترامب موضع فخر شخصي.
ويمتلك الاتحاد الأوروبي أيضًا أداة اقتصادية صارمة تُعرف بآلية مكافحة الإكراه، صُممت لمعاقبة الدول التي تحاول ممارسة ضغوط قسرية على التكتل.
غير أن تفعيل هذه الأداة يتطلب إجماعًا كاملاً من الدول الأعضاء، ويُنظر إليها على أنها خيار أخير.
ترقب وقلق قبل وصول ترامب
في ظل هذه المعطيات، يعلّق المسؤولون الأوروبيون آمالهم على أن يختار ترامب مخرجًا يجنّب الجميع الوصول إلى نقطة اللاعودة.
وبينما يعتقد بعض المقربين من الرئيس الأميركي أنه يناور لاختبار حدود الضغط دون نية حقيقية للتدخل العسكري، فإن القلق يتزايد من أن تؤدي هذه السياسة العدوانية إلى إلحاق ضرر دائم بعلاقات استراتيجية بالغة الأهمية.
وتبقى المسألة شديدة الحساسية، لا سيما بعد تأكيد ترامب أن امتلاك غرينلاند بات مسألة ذات أهمية نفسية بالنسبة له، ونصرًا يسعى إليه بإلحاح متزايد.

العرب مباشر
الكلمات