وقف إطلاق النار في أوكرانيا.. سلام محفوف بالمخاطر يهدد أمن أوروبا بأكملها

وقف إطلاق النار في أوكرانيا.. سلام محفوف بالمخاطر يهدد أمن أوروبا بأكملها

وقف إطلاق النار في أوكرانيا.. سلام محفوف بالمخاطر يهدد أمن أوروبا بأكملها
زيلينسكي

رغم الخطاب المتفائل الذي يروّج له كل من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس الأميركي دونالد ترامب حول وجود مسار سلام جارٍ، تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يبدي أي استعداد حقيقي لوقف الحرب في أوكرانيا. 

وبحسب صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، فإنه مع بداية عام 2026، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كان التوصل إلى وقف لإطلاق النار سيجلب السلام فعلاً، أم أنه سيكون على حساب أمن أوروبا واستقرارها.

وبالنسبة لأوكرانيا، لا توجد مؤشرات حقيقية على أن عام 2026 سيكون مختلفاً عن عام 2025، إذ من المرجح أن تستمر الحرب بوتيرتها الحالية.

 فالتصريحات المتكررة عن قرب التوصل إلى السلام تستند، في نظر كثير من المراقبين، إلى تفاؤل مفرط وحاجة سياسية ملحّة لمجاراة تصورات دونالد ترامب، أكثر من استنادها إلى وقائع ملموسة على الأرض.

موسكو تراهن على الدبلوماسية 


تواصل روسيا محاولاتها لانتزاع مكاسب سياسية عبر القنوات الدبلوماسية، بعد إخفاقها في تحقيق أهدافها بالكامل خلال أحد عشر عاماً من الحرب. ويظل ترامب، وفق هذا المنظور، الأداة الأهم في يد موسكو. 

وخلال عام 2025، فاجأ ترامب القادة الأوروبيين في ثلاث مناسبات بمحاولات للضغط على كييف من أجل قبول مطالب روسية تحت غطاء اتفاق لوقف إطلاق النار.

وفي كل مرة، جرى تدارك المخاطر في اللحظات الأخيرة عبر تحركات دبلوماسية عاجلة عبر الأطلسي، حيث سارع القادة الأوروبيون إلى احتواء التداعيات. 

ورغم أن هذا النمط يبدو متكرراً، فإن النتيجة النهائية كانت دائمًا في صالح موسكو، التي نجحت في تحسين موقعها التفاوضي تدريجيًا.

تحريك سقف التنازلات الأوروبية والأوكرانية


كما تتقدم القوات الروسية ببطء على خطوط الجبهة، يعمل بوتين وترامب في الوقت نفسه على توسيع نطاق ما يُطلب من أوكرانيا وأوروبا القبول به. 

فقد جرى التعامل مع خطة روسية من 28 بندًا طُرحت في نوفمبر باعتبارها أساسًا للتفاوض، بدلاً من رفضها بشكل قاطع. ونتيجة لذلك، انتقل مقترح تقليص حجم القوات المسلحة الأوكرانية من كونه مطلبًا روسيًا مرفوضًا إلى فكرة تحظى بدعم أوروبي أيضًا.

في المقابل، فإن أنماط القتال الفعلية في أوكرانيا رُسمت منذ أشهر وربما سنوات. وتواصل روسيا استنزاف الدفاعات الأوكرانية على الجبهات بكلفة بشرية هائلة، إلى جانب شن هجمات يومية بالطائرات المسيّرة والصواريخ على المدن والبنية التحتية الحيوية، ما يؤدي إلى مقتل مدنيين بشكل منتظم. ومع ذلك، يبقى الحسم بعيدًا عن خطوط التماس، وربما خارج أوكرانيا نفسها.

حرب مستمرة بسبب غياب الحسم الدولي


تستمر الحرب لأن أيًا من التحالفين الداعمين لأوكرانيا أو لروسيا لم يتخذ قرارًا بالتدخل الحاسم. فبالنسبة إلى الصين وإيران وكوريا الشمالية، هناك توازن دقيق بين الاستفادة من استنزاف روسيا والغرب معًا، وبين مخاطر الذهاب بعيدًا في دعم موسكو بما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار أوسع.

أما في المعسكر الداعم لأوكرانيا، فقد كان تراجع الدعم الأميركي متوقعاً، كما كان متوقعاً عجز الدول الأوروبية عن تعويض هذا النقص نتيجة فشلها خلال السنوات السابقة في الاستعداد لهذا السيناريو. وينسحب الأمر ذاته على ضعف جاهزية أوروبا لاحتمال تقليص أو إنهاء الدعم الأميركي للدفاع الأوروبي بحلول عام 2027، وهو وضع ناتج عن عقود من إهمال الاستثمار الجاد في القدرات الدفاعية الذاتية.

استراتيجية أميركية جديدة ومخاوف عالمية


وتشير الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأميركي إلى إعادة توزيع محتملة للقوات الأميركية حول العالم. وإذا جرى تنفيذ هذه الرؤية، فإن حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وشرق آسيا على حد سواء قد يجدون أنفسهم في مواجهة قوى إقليمية معادية دون المظلة الأمنية الأميركية التي اعتمدوا عليها لعقود.

وتقوم هذه الرؤية على مفهوم دفاع نصف الكرة الغربي، بحيث تركز الولايات المتحدة على القارتين الأميركيتين، بينما تُترك أوروبا وشرق آسيا لمواجهة القوى المهيمنة في محيطهما. وهو سيناريو كان يُنظر إليه حتى وقت قريب باعتباره أقرب إلى الخيال الديستوبي.

ويرى بعض المحللين، أن العالم قد يتجه نحو مواجهة بين الديمقراطيات الليبرالية المتبقية وثلاث قوى سلطوية كبرى هي روسيا والصين والولايات المتحدة، في حال استمرت طموحات موسكو وبكين دون رادع. وفي هذا السياق، قد تعود إلى الأذهان خريطة العالم التي وصفها جورج أورويل في رواية 1984، حيث ينقسم العالم إلى ثلاث كتل كبرى متنافسة.

أوروبا بين التردد والفرصة


حتى الآن، ما تزال القوات الأميركية متمركزة في أوروبا، وما يزال العسكريون الأميركيون مندمجين في هياكل الدفاع الأوروبية، بما في ذلك حلف شمال الأطلسي. لكن حالة عدم اليقين التي تميز سياسات البيت الأبيض تشكل في الوقت ذاته تهديداً وفرصة لأوروبا.

فمن جهة، يفترض أن تدفع هذه الضبابية القادة الأوروبيين إلى تعزيز قدراتهم الدفاعية الذاتية وتقوية مناعتهم الاستراتيجية. 

ومن جهة أخرى، فإن روسيا لن تقدم على مهاجمة دولة عضو في الناتو ما لم تتيقن تمامًا من غياب رد أميركي، وهو يقين لم يتوفر بعد في ظل تقلب مواقف الإدارة الأميركية.

وهم السلام ومخاطر وقف إطلاق النار
وقالت الصحيفة البريطانية، إن اعتماد أوروبا المفرط على الولايات المتحدة في المجال الدفاعي يفسر حالة التودد المبالغ فيها لإدارة ترامب خلال عام 2025. 

وبالنسبة لأوكرانيا وداعميها، تجسد ذلك في تصوير التحركات الدبلوماسية المتعثرة على أنها مسار سلام، وفي التمسك بفكرة أن الضمانات الأمنية الأميركية قد تكون ذات جدوى حقيقية.

وقد يكون ترامب وزيلينسكي صادقين حين يؤكدان الاقتراب بنسبة كبيرة من اتفاق سلام، لكن هذا الاتفاق يظل محصورًا بين واشنطن وكييف، في حين تبقى المسافة مع موسكو شاسعة. 

فالعروض المتكررة لوقف إطلاق النار، التي لبت كثيرًا من الأهداف الروسية، قوبلت بالرفض، ما يدل على أن موسكو ترى في استمرار القتال مكاسب أكبر من القبول بتسوية مؤقتة.

صراع أهداف لا يلتقي


ما تزال الأهداف الجوهرية للطرفين على حالها؛ فروسيا تسعى، عاجلاً أم آجلاً، إلى إنهاء وجود أوكرانيا كدولة مستقلة، فيما تقاتل كييف من أجل البقاء. هذا التناقض الجذري هو ما أشعل الحرب منذ عام 2014 وأدى إلى تصعيدها الكبير في عام 2022.

وحتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فإن المخاطر ستظل قائمة. فقد أظهرت تجارب سابقة في جورجيا وسوريا أن روسيا تجيد استغلال اتفاقات التهدئة لصالحها، عبر فرض شروط قاسية على الطرف الآخر، مع الاحتفاظ بحرية انتهاك الاتفاق متى شاءت. كما أن أي خفض في حدة القتال قد يمنح قادة أوروبيين ذريعة لتأجيل إعادة التسلح، على الرغم من استمرار التهديد الروسي.

تهديد مستمر لأوروبا
ستواصل روسيا، بغض النظر عن المسار الدبلوماسي، اختبار نقاط الضعف الأوروبية عبر عمليات تخريب وهجمات على البنية التحتية المدنية ومراكز الإمداد الحيوية. 

وغالباً ما تُوصَف هذه الأعمال بأنها هجمات هجينة، رغم انتقادات خبراء الاستخبارات الذين يرون أن هذا الوصف يخفف من خطورتها الحقيقية بوصفها أعمالاً عدائية صريحة.

وتتباين التقديرات حول توقيت جاهزية روسيا لاستئناف حرب واسعة، سواء ضد أوكرانيا أو إحدى دول الناتو، إلا أن جميع هذه التقديرات تشير إلى أن هذا التوقيت سيكون أقرب مما تستطيع أوروبا الاستعداد له فعليًا.

ومع دخول عام 2026، ورغم الحديث المتكرر عن سلام وشيك، لا توجد مؤشرات حقيقية على انتهاء الحرب الأوسع التي تخوضها روسيا ضد الغرب، ما يجعل التفاؤل السائد أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع.