تفكك التحالف الحاكم في السودان.. عزل مناوي يعيد رسم خريطة النفوذ
تفكك التحالف الحاكم في السودان.. عزل مناوي يعيد رسم خريطة النفوذ
تتحرك الساحة السودانية نحو مرحلة أكثر تعقيدًا مع تصاعد مؤشرات التفكك داخل التحالف الداعم للقوات المسلحة، في ظل حرب مفتوحة أنهكت الدولة وأعادت تشكيل مراكز القوة، فالتقارير المتداولة حول عزل مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور وزعيم حركة جيش تحرير السودان، وقطع خطوط الإمداد عن قواته، لا تبدو مجرد خطوة إدارية أو خلاف تنظيمي، بل تعكس تحولات أعمق في بنية السلطة داخل المعسكر الواحد.
في المشهد الحالي، تتداخل الحسابات العسكرية مع الصراعات السياسية، وتتقاطع الطموحات الشخصية مع مشاريع الهيمنة الأيديولوجية، بينما يجري كل ذلك بعيدًا عن الأضواء الرسمية، وبين إدارة انتقالية مأزومة، وتحالفات متصدعة، وملفات تصفية نفوذ متبادلة، يبدو السودان مقبلًا على مرحلة جديدة من الصراع الداخلي، قد تكون أخطر من مجرد المواجهة المسلحة مع قوات الدعم السريع.
انقسامات واضحة
تشير المعطيات السياسية والعسكرية المتداولة في السودان إلى أن البلاد دخلت مرحلة إعادة فرز داخلية حادة، لا تقل خطورة عن الصراع المفتوح مع قوات الدعم السريع.
ففي قلب هذا المشهد، يبرز اسم مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة جيش تحرير السودان، بوصفه أحد أبرز ضحايا هذه التحولات، مع تصاعد الحديث عن عزله فعليًا، وقطع خطوط الإمداد عن قواته ومناطق نفوذه، في خطوة تعكس بداية تصفية حسابات داخل التحالف الداعم للجيش.
هذا التطور يأتي في سياق حالة عدم استقرار إداري وسياسي تعيشها الدولة منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث فشلت الإدارة الانتقالية في إنتاج بنية حكم متماسكة، بينما تحولت التحالفات إلى ترتيبات مؤقتة تحكمها الضرورة العسكرية أكثر من الانسجام السياسي.
وداخل هذا الواقع، بدأت الانقسامات تظهر بوضوح داخل الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا 2020، وعلى رأسها حركة جيش تحرير السودان بقيادة مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم.
عزل وصراع عميق
في أغسطس 2025، برزت أولى الإشارات العلنية للتفكك داخل حركة مناوي، عندما أعلنت مجموعة من القيادات اتخاذ إجراءات تهدف إلى عزله من رئاسة الحركة، مع الدعوة إلى عقد مؤتمر عام خلال مهلة زمنية محددة لاختيار قيادة جديدة.
هذا التطور لم يكن مجرد خلاف تنظيمي داخلي، بل كشف عن صراع أعمق حول هوية الحركة وخياراتها الاستراتيجية: هل تبقى جزءًا من تحالف عسكري مع الجيش في مواجهة الدعم السريع، أم تعيد تعريف دورها كحركة دارفورية ذات أجندة مستقلة؟
هذه الانقسامات تعكس تضاربًا في الرؤى بين تيار يرى أن التحالف مع الجيش ضرورة وجودية في ظل الحرب، وتيار آخر يعتبر أن هذا التحالف حوّل الحركات الدارفورية إلى أدوات في صراع لا يخدم بالضرورة قضايا الإقليم ولا مطالب سكانه التاريخية.
ومع تعمق الحرب، تحولت هذه الخلافات من نقاشات سياسية داخلية إلى صراعات نفوذ حقيقية.
توترات خفية
في السياق ذاته، تظهر انقسامات موازية داخل بنية السلطة نفسها، سواء في مجلس السيادة أو داخل القيادة العسكرية، حول ملفات مصيرية مثل الهدنة أو استمرار الحرب، وشكل الحل السياسي المحتمل.
وتبرز هنا مواقف متشددة لبعض القيادات، وعلى رأسها مناوي وجبريل إبراهيم، الرافضة لأي مسار تفاوضي يمنح قوات الدعم السريع شرعية سياسية أو عسكرية، وهو ما وضعهم في مواجهة تيارات أخرى داخل المعسكر نفسه.
ولم تتوقف مؤشرات التفكك عند مناوي، فالتسريبات الأخيرة المرتبطة بسيد أحمد الجاكومي، رئيس تنسيقية القوى الوطنية، كشفت حجم التوترات الخفية داخل التحالف، إذ أدى انتشار تسجيل صوتي منسوب إليه إلى تصاعد الحديث عن قرب إقصائه من المشهد، رغم نفيه العلني لأي علاقة بالمكالمة المسربة، وبغض النظر عن صحة التسجيل، فإن طريقة التعامل معه تعكس استعدادًا لإعادة ترتيب مواقع النفوذ داخل السلطة، حتى عبر أدوات غير معلنة.
في الإطار ذاته، تتزايد التوقعات بإقصاء جبريل إبراهيم، وزير المالية ورئيس حركة العدل والمساواة، في سياق حملة أوسع تستهدف تقليص نفوذ قيادات اتفاق جوبا، التي بات يُنظر إليها داخل بعض الدوائر العسكرية والسياسية باعتبارها عناصر غير منسجمة مع التوجه الجديد للتحالف الحاكم.
ووفق معطيات متداولة في الأوساط السياسية، فإن هذه التحركات لا تأتي بمعزل عن دور متنامٍ لتيار الإسلام السياسي داخل مفاصل الدولة، وخصوصًا داخل المؤسسة العسكرية.
حيث تشير التقديرات إلى أن هذا التيار بات يمسك بجزء معتبر من القرار العسكري والاستراتيجي، ويدفع باتجاه توحيد السلطة داخل دائرة ضيقة أكثر انسجامًا أيديولوجيًا وتنظيميًا.
في هذا السياق، يُعاد تفسير عزل مناوي وقطع الإمدادات عنه، وإقصاء الجاكومي، وتهميش جبريل إبراهيم، باعتبارها خطوات ضمن عملية “تصفية صفوف” داخل التحالف الداعم للجيش، تهدف إلى إخراج القيادات غير المنتمية عضويًا إلى هذا التيار، حتى وإن كانت حليفة ظرفيًا في الحرب.
هذه الديناميكية تكشف أن الصراع في السودان لم يعد فقط بين الجيش والدعم السريع، بل بات صراعًا داخل المعسكر الواحد، على النفوذ والقرار والشرعية السياسية. ومع تزايد الانشقاقات والتضارب في التوجهات، تتحول الإدارة الانتقالية إلى كيان هش، تهيمن عليه شبكات نفوذ متصارعة، لا رؤية موحدة لها لإدارة الدولة أو إنهاء الحرب.
في المحصلة، فإن عزل مني أركو مناوي ليس حدثًا معزولًا، بل مؤشر على أزمة بنيوية داخل النظام السياسي والعسكري في السودان. أزمة عنوانها تفكك التحالفات، وصعود تيارات أيديولوجية، وتراجع منطق الشراكة لصالح منطق الإقصاء.
وهي تحولات تنذر بأن المرحلة المقبلة قد تشهد تصفيات داخلية أوسع، سيكون لها أثر مباشر على مسار الحرب، وعلى فرص الاستقرار السياسي، وعلى مستقبل الدولة السودانية نفسها.
انتقال مركز الثقل
يرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي في السودان، ماهر أبو الجوخ، أن ما يجري داخل التحالف الداعم للقوات المسلحة لا يمكن فصله عن صراع أعمق على طبيعة السلطة في السودان بعد عامين من الحرب، ويؤكد أن عزل مني أركو مناوي أو تقليص نفوذه المحتمل لا يعكس فقط خلافًا عسكريًا أو تنظيميًا، بل يشير إلى انتقال مركز الثقل داخل التحالف من منطق الشراكة الاضطرارية إلى منطق السيطرة الصلبة.
ويشرح أبو الجوخ في حديثه لـ"العرب مباشر"، أن الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، وعلى رأسها حركة مناوي وحركة العدل والمساواة، دخلت الحرب بوصفها حلفاء ظرفيين للجيش، لكنها لم تكن جزءًا أصيلًا من الشبكات الأيديولوجية والتنظيمية التي تتحكم فعليًا في القرار داخل المؤسسة العسكرية، ومع إطالة أمد الصراع، باتت هذه الحركات عبئًا سياسيًا أكثر منها رصيدًا، خاصة مع اختلافها حول مسارات التفاوض والهدنة.
ويضيف أبو الجوخ، أن التيار الإسلامي داخل الدولة، والذي يملك نفوذًا تاريخيًا داخل الجيش والأجهزة، يسعى اليوم إلى إعادة إحكام قبضته عبر تقليص عدد الشركاء، وتوحيد القرار في دائرة ضيقة، حتى لو أدى ذلك إلى تفكيك تحالفات سابقة.
وبرأي فإن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، لأنه قد يدفع قوى دارفورية إلى إعادة التموضع خارج المعادلة، ما يهدد بتوسيع رقعة الصراع بدل احتوائه، ويقوّض أي فرصة حقيقية لبناء سلطة انتقالية جامعة بعد الحرب.

العرب مباشر
الكلمات