أزمة صامتة في بلد منهك.. فجوة التمويل تُطفئ آخر أنفاس الإغاثة في اليمن

أزمة صامتة في بلد منهك.. فجوة التمويل تُطفئ آخر أنفاس الإغاثة في اليمن

أزمة صامتة في بلد منهك.. فجوة التمويل تُطفئ آخر أنفاس الإغاثة في اليمن
ميليشيا الحوثي

في بلدٍ أنهكته الحرب الطويلة وراكمت فيه الأزمات طبقة فوق أخرى، لم يعد الخطر في اليمن قادمًا فقط من صوت المدافع أو خطوط التماس، بل من صمتٍ أخطر اسمه «نقص التمويل»، تحذيرات الأمم المتحدة لم تأتِ هذه المرة بلغة دبلوماسية معتادة، بل بنبرة أقرب إلى دق ناقوس الإنذار: الخدمات المنقذة للحياة تتراجع، والمستشفيات مهددة بالإغلاق، وملايين اليمنيين يقفون على الحافة بلا شبكة أمان، اليمن، الذي دخل عامه العاشر من الصراع، يواجه اليوم معركة من نوع آخر؛ معركة البقاء في ظل تقلص غير مسبوق للدعم الإنساني، وتراجع التزامات المانحين الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، وبين أرقام التمويل المتدنية، والاحتياجات التي تتضخم عامًا بعد عام، تتكشف صورة قاتمة لبلدٍ مهدد بانهيار إنساني شامل، إن لم يحدث تدخل عاجل يعيد للإغاثة روحها ولليمنيين بعض الأمل في الغد.

التمويل يتراجع.. والاحتياجات تتفجر

حذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تمرّ بمرحلة شديدة الخطورة، بعد أن لم تتجاوز نسبة تمويل خطة الاحتياجات الإنسانية لعام 2025 حدود 25% فقط.

 هذه الفجوة الكبيرة لم تعد رقمًا في تقرير، بل تحولت إلى قرارات قاسية على الأرض، شملت تقليص الخدمات الأساسية في معظم القطاعات، رغم تصاعد الاحتياجات الإنسانية بوتيرة مقلقة.

ويؤكد المكتب الأممي، أن قطاعات حيوية مثل الصحة والحماية أصبحت أولى ضحايا هذا الشح المالي، ما ترك ملايين اليمنيين بلا رعاية طبية كافية، وبلا مظلة حماية في بيئة تعج بالمخاطر، من سوء التغذية إلى تفشي الأوبئة وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي.

النظام الصحي.. انهيار بطيء أمام أعين الجميع

أخطر ما في المشهد هو ما يعيشه القطاع الصحي. فبحسب بيانات أممية، يواجه النظام الصحي الهش خطر الانهيار الكامل، في ظل انخفاض التمويل وقيود التشغيل، بالتزامن مع انتشار سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي.

منذ يناير الماضي، أصبحت 453 منشأة صحية مهددة بالإغلاق الجزئي أو الكامل، موزعة بين مستشفيات، ومراكز رعاية صحية أولية، ووحدات صحية متنقلة، في 22 محافظة يمنية. وتشمل هذه المنشآت 76 مستشفى و177 مركز رعاية صحية و200 وحدة صحية أولية، إضافة إلى 18 عيادة متنقلة.

هذا التراجع لا يميز بين منطقة وأخرى، إذ تطال التداعيات مناطق خاضعة لسيطرة الحكومة وأخرى خارجها، ما يعكس حجم الأزمة واتساعها، ويؤكد أن الصحة في اليمن باتت رهينة التمويل أكثر من أي وقت مضى.

أمريكا تنسحب.. والفجوة تتسع


تكشف تقارير الإغاثة الدولية، أن اليمن مقبل على عام هو الأصعب منذ اندلاع الحرب، خصوصًا بعد إيقاف الولايات المتحدة جزءًا كبيرًا من مساعداتها، التي كانت تمثل أكثر من نصف التمويل الإنساني للبلاد.

ووفق تقرير حديث صادر عن لجنة الإنقاذ الدولية، لم يتجاوز ما تم جمعه حتى مارس الماضي 5% فقط من أصل 2.47 مليار دولار مطلوبة لتغطية خطة الاستجابة الإنسانية لهذا العام.

هذه الأرقام تعني عمليًا حرمان ملايين اليمنيين من الغذاء، والرعاية الصحية، وخدمات الحماية، في وقت يُقدَّر فيه عدد المحتاجين للمساعدة الإنسانية بنحو 19.5 مليون شخص، بزيادة تقارب 7% مقارنة بعام 2024، بينما يعيش أكثر من 83% من السكان تحت خط الفقر.

النازحون في الواجهة.. معاناة بلا نهاية

تتضاعف المأساة في مخيمات النزوح، حيث يعيش أكثر من 4.5 مليون نازح داخلي، كثير منهم تعرض للنزوح مرات متكررة خلال السنوات الماضية. 

وتؤكد فرق الإغاثة أن الطلب على المساعدات يفوق القدرة على الاستجابة، مع صعوبة الحصول على الغذاء والمياه النظيفة والخدمات الصحية، في ظل معدلات سوء تغذية تُعد من الأعلى عالميًا.

هذه الأوضاع تعكس، بحسب المنظمات الدولية، تراكم خسائر سنوات طويلة من الصراع، تركت الأسر بموارد شحيحة، وخيارات شبه معدومة للبقاء.

تحذير أخير قبل السقوط

من جانبها، ترى كارولين سيكيوا، المديرة القطرية للجنة الإنقاذ الدولية في اليمن، أن تقليص الدعم الإنساني ليس مجرد قرار مالي، بل مقامرة بأرواح الملايين.

 وتؤكد أن اليمن يقف اليوم على شفا هاوية حقيقية، وأن أي تأخير في التمويل قد يبدد ما تحقق من مكاسب إنسانية بصعوبة خلال السنوات الماضية.

ورغم أن المساعدات الإنسانية لا تكفي وحدها لإنهاء الأزمة، إلا أن غيابها الكامل سيعني كارثة مؤكدة، ما لم يترافق الدعم الإغاثي مع حلول سياسية واقتصادية تضع البلاد على مسار استقرار طويل الأمد.