من الإقلاع لـ السقوط.. ماذا قال الصندوق الأسود لطائرة رئيس الأركان الليبي؟

من الإقلاع لـ السقوط.. ماذا قال الصندوق الأسود لطائرة رئيس الأركان الليبي؟

من الإقلاع لـ السقوط.. ماذا قال الصندوق الأسود لطائرة رئيس الأركان الليبي؟
رئيس الأركان الليبي

لم يكن سقوط الطائرة التي تقل رئيس أركان قوات حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا، الفريق محمد الحداد، مجرد حادث جوي عابر، بل تحوّل إلى قضية سياسية وعسكرية شغلت طرابلس وأنقرة معًا لأسابيع طويلة، فالحادث وقع فوق الأراضي التركية، وطال أحد أبرز رجال المؤسسة العسكرية الليبية، في لحظة حساسة تشهد فيها البلاد إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل المؤسسة الأمنية.

منذ اللحظة الأولى، تباينت الروايات بين فرضيات الاستهداف والتخريب الفني، خصوصًا أن الرحلة كانت عسكرية وتضم وفدًا أمنيًا رفيع المستوى، ومع مرور الوقت، بقيت الإجابات معلّقة بانتظار كلمة الصندوق الأسود، المرجع الوحيد القادر على إعادة تركيب الدقائق الأخيرة للطائرة، اليوم، وبعد شهرين من التحقيقات الفنية المعقدة، خرجت أنقرة برواية تقنية مفصلة تكشف تسلسل الأعطال داخل الطائرة لحظة بلحظة، لتعيد رسم المشهد كاملاً، من إقلاع طبيعي إلى فقدان السيطرة، ثم نهاية مأساوية خلال عشرين دقيقة فقط.

ليس عملًا عدائيًا

أعلنت وزارة النقل والبنية التحتية التركية، أن تحليل بيانات مسجل الطيران الصوتي والبياني للطائرة التي تحطمت قرب أنقرة في 23 ديسمبر الماضي كشف أن الكارثة لم تكن نتيجة انفجار أو عمل عدائي، بل سلسلة متتالية من الأعطال الكهربائية الحرجة أدت إلى شلل كامل في أنظمة الطائرة.

وفق المعطيات الفنية، أقلعت الطائرة عند الساعة 20:17 مساءً بالتوقيت المحلي في ظروف طبيعية ومن دون مؤشرات إنذار مبكر.

لكن بعد دقيقتين فقط من الإقلاع، أبلغ الطياران برج المراقبة بحدوث خلل في أحد المولدات الكهربائية، وهو عنصر أساسي في منظومة تزويد الطائرة بالطاقة لتشغيل أجهزة الملاحة والتحكم.

بعد لحظات، تعطل مولد ثانٍ ثم ثالث، وهو تطور يُعد في علم سلامة الطيران حالة نادرة وخطرة للغاية. فالطائرات الحديثة تعتمد على تعددية مصادر الطاقة لمنع فقدان السيطرة، وبالتالي فإن تعطل مولد واحد لا يؤدي عادة إلى كارثة. لكن تعطل عدة مولدات في زمن متقارب يعني فقدان تدريجي للأنظمة الإلكترونية، بدءًا من شاشات الملاحة وصولًا إلى أنظمة التوجيه الآلي.

تفاصيل من داخل قمرة القيادة


تسجيلات قمرة القيادة أظهرت أن الطيارين أدركا خطورة الوضع فورًا، فطلبا العودة إلى المطار وأعلنا حالة طوارئ كاملة باستخدام النداء الدولي "ماي داي"، وفي تلك اللحظة بدأت الطائرة تُقاد يدويًا بالكامل، وهو إجراء بالغ الصعوبة خاصة بعد الإقلاع مباشرة حيث تكون الطائرة في مرحلة حساسة من الارتفاع والتوازن.

المثير في التسجيلات أن النظام عاد للعمل لفترة قصيرة، ما سمح بإعادة الاتصال ببرج المراقبة، قبل أن تتفاقم الأعطال مجددًا، هذا النوع من الأعطال المتذبذبة يعد من أخطر السيناريوهات، لأنه يمنح الطيارين أملاً مؤقتًا باستعادة السيطرة ثم يفقدهم البيانات مرة أخرى، ما يربك عملية اتخاذ القرار.

استمر الاتصال حتى الساعة 20:27، أي بعد عشر دقائق من الإقلاع، ثم بدأت الطائرة تختفي تدريجيًا من الرادار قبل تحطمها بعد نحو عشرين دقيقة من بداية الرحلة.

لماذا فرص النجاة كانت ضئيلة؟

من الناحية التقنية، يشير خبراء الطيران إلى أن فقدان الطاقة الكهربائية الكامل يؤدي إلى تعطل أنظمة التحكم المعززة بالحاسوب (Fly-by-Wire) أو تقليل فعاليتها، ما يفرض على الطيارين قيادة الطائرة باستخدام أدوات ميكانيكية احتياطية محدودة الدقة.

في حال تزامن ذلك مع ارتفاع منخفض أو تضاريس جبلية، كما في منطقة هايمانا قرب أنقرة، تصبح فرص النجاة ضئيلة للغاية.

لكن أهمية التقرير لا تقتصر على الجانب الفني فقط، فالحادثة تحمل بعدًا سياسيًا واضحًا، الفريق محمد الحداد كان يشغل منصبًا محوريًا في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية في غرب ليبيا، ويُعد أحد أعمدة التوازن بين التشكيلات المسلحة في طرابلس، لذلك ظهرت منذ البداية تكهنات بوجود عمل تخريبي أو استهداف متعمد، خاصة أن الحادث وقع خارج الأراضي الليبية.

مصادر متابعة لقطاع الطيران تشير إلى أن حوادث فقدان جميع المولدات الكهربائية نادرة لكنها حدثت في تاريخ الطيران، وغالبًا ما ترتبط بخلل في وحدة توزيع الطاقة الرئيسية أو عطل في نظام إدارة الكهرباء، وهو ما يتطلب تحليلًا معمليًا دقيقًا للحطام لتأكيده.

وفي انتظار التقرير القضائي النهائي، يبدو أن لغز الطائرة تحوّل من سؤال أمني إلى قضية تقنية بحتة، لكن تداعياته السياسية داخل ليبيا ستستمر، لأن غياب شخصية عسكرية بهذا الوزن يترك فراغًا في معادلة التوازن الهشة بين القوى المسلحة في غرب البلاد.