من البازار إلى الشارع.. إيران تحت ضغط الغضب المعيشي والقبضة الرقمية

من البازار إلى الشارع.. إيران تحت ضغط الغضب المعيشي والقبضة الرقمية

من البازار إلى الشارع.. إيران تحت ضغط الغضب المعيشي والقبضة الرقمية
احتجاجات إيران

من قلب الأسواق القديمة إلى أطراف الأحياء المكتظة، تعود إيران لتعيش على إيقاع احتجاجات متصاعدة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تخنق البلاد، مشاهد الإضراب في بازار طهران، الذي طالما شكّل بارومتر الغضب الشعبي، لم تعد حدثًا معزولًا، بل أصبحت عنوانًا لموجة احتجاجية دخلت أسبوعها الثاني، مترافقة مع تضييق رقمي غير مسبوق، في الليل، تتسع رقعة التحركات وتعلو الشعارات، وفي النهار تتكثف القيود على الإنترنت، في معادلة باتت مألوفة في تعامل السلطات مع أي حراك داخلي، وبين رواية رسمية تقلل من حجم ما يجري، وتقارير حقوقية تتحدث عن قتلى واعتقالات بالعشرات، تقف إيران أمام اختبار داخلي معقد، كيف تُدار أزمة معيشية خانقة دون أن تنقلب إلى مواجهة سياسية مفتوحة، في ظل اقتصاد منهك وعزلة خارجية وضغوط متراكمة؟

بازار طهران.. شرارة الاقتصاد تتحول إلى غضب سياسي

بدأت الموجة الحالية بإضراب تجار في العاصمة احتجاجًا على تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع سعر الدولار، لكن ما لبثت أن خرجت من أسوار المتاجر إلى الشوارع المحيطة، مناطق حيوية مثل البازار الكبير، وتشارسو، ومجمع علاء الدين، وشارع جمهوري، تحولت إلى مساحات تجمع واحتكاك، مع انتشار أمني واستخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المحتجين.

ومع انتهاء العطلة الرسمية، بدت طهران وكأنها تستعيد نبض الاحتجاج، ليس فقط في مركزها التجاري، بل في أحياء متباعدة جغرافيًا واجتماعيًا، من نازي‌آباد جنوبًا إلى نارمك وطهران‌بارس شمالًا وشرقًا، هذا الاتساع الجغرافي أعطى للحراك طابعًا أكثر شمولًا، وأخرج الاحتجاج من كونه مطلبًا نقابيًا محدودًا إلى حالة غضب عام.

ليل المدن.. شعارات أعلى ومواجهات أشد

اللافت في هذه الجولة، أن الليل بات مسرحًا رئيسيًا للاحتجاج. مقاطع متداولة أظهرت إغلاق شوارع، إشعال نيران، وترديد شعارات سياسية مباشرة من قبيل الموت للديكتاتور وهذا العام عام الدم، ولم تقتصر التحركات على العاصمة، بل امتدت إلى مدن مثل مشهد وشيراز ورشت وقزوين، إضافة إلى محافظات غربية شهدت أعنف المواجهات.

وبحسب تقارير نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية، فإن وتيرة العنف خارج طهران فاقت ما سُجل في العاصمة، مع محاولات اقتحام مراكز أمنية وسقوط قتلى، بينهم عناصر من قوات الأمن، في محافظة إيلام، ذات الغالبية الكردية، تحدثت تقارير عن مقتل ضابط في الحرس الثوري، في مقابل اتهامات حقوقية لقوات الأمن باستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين.

الإنترنت تحت المقصلة.. سلاح السلطة المفضل

بالتوازي مع الشارع، خاضت السلطات معركتها في الفضاء الرقمي. منذ اندلاع الاحتجاجات، دخل الإنترنت في حالة عدم استقرار حادة: بطء شديد، انقطاعات إقليمية، وتعطيل واسع لخدمات الـVPN.

 صحيفة شرق نقلت عن خبراء، أن ما يجري قرار متعمد لا خلل تقني، يُضبط وفق مستوى التوتر الأمني حتى لو شُلّت الحياة اليومية.

بيانات تقنية أظهرت تراجع حركة البيانات بنحو 35%، وفق مؤشرات رصدتها شركة كلاودفلير، ما عزز المخاوف من انقطاع شبه كامل للإنترنت الدولي.

 الهدف، وفق مراقبين، واضح: كسر قدرة المحتجين على التنسيق، وتقليص تداول الصور والفيديوهات التي توثق ما يجري، بعدما تحولت المنصات الرقمية إلى أداة حشد لا غنى عنها.

روايتان متناقضتان وأرقام متباعدة

فيما تقلل وسائل الإعلام الرسمية، خصوصًا وكالة فارس، من حجم الاحتجاجات في طهران وتصفها بـالمحدودة، تتحدث منظمات حقوقية عن امتدادها إلى عشرات المدن وسقوط أعداد أكبر من القتلى والجرحى. 

وبينما تشير بيانات رسمية إلى مقتل 12 شخصًا على الأقل، تؤكد مصادر حقوقية أن الحصيلة أعلى، مع صعوبة التحقق المستقل بسبب القيود الإعلامية والرقمية.

على المستوى السياسي، تحاول القيادة الإيرانية السير على حبل مشدود. المرشد الأعلى علي خامنئي أقرّ بحق التجار في الاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة مواجهة ما وصفه بـأعمال الشغب. 
هذا الفصل بين المطلب المشروع والعنف يعكس محاولة لامتصاص الغضب دون فتح الباب أمام تنازلات أوسع.

خارجيًا، زاد التوتر مع تلويح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتدخل لدعم المحتجين، وهي تصريحات قوبلت برفض إيراني حاد واعتبارها تدخلًا في الشؤون الداخلية، لكنها في الوقت ذاته رفعت منسوب القلق لدى صناع القرار في طهران.

ورغم أن هذه الاحتجاجات لم تصل بعد إلى زخم حراك 2022 عقب وفاة مهسا أميني، فإن استمرارها واتساع رقعتها يجعلانها، وفق تقديرات غربية، أخطر اختبار داخلي تواجهه السلطات منذ ثلاث سنوات. اقتصاد مأزوم، عملة متراجعة، ضغط اجتماعي متراكم، وفضاء رقمي مكبّل… عناصر تشي بأن الأزمة أبعد من كونها موجة عابرة، وأن التعامل معها سيحدد شكل العلاقة بين الدولة والشارع في المرحلة المقبلة.