جنوب الليطاني بلا سلاح.. هل بدأ تفكيك الدولة داخل الدولة في لبنان؟
جنوب الليطاني بلا سلاح.. هل بدأ تفكيك الدولة داخل الدولة في لبنان؟
للمرة الأولى منذ عقود، يتحدث الجيش اللبناني بلغة مختلفة عن الجنوب. لغة لا تقوم على الاحتواء ولا إدارة التوازن، بل على بسط السيطرة، وتفكيك البنية المسلحة، ومنع إعادة الترميم.
إعلان المؤسسة العسكرية إنجاز نزع سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني لا يبدو مجرد بيان روتيني، بل علامة فارقة في مسار طويل ظلّ مؤجلاً تحت ضغط السياسة والحرب والإقليم.
الجنوب، الذي كان لعقود مساحة استثناء أمني وسيادي، يدخل – نظريًا على الأقل – في مرحلة جديدة عنوانها حصر السلاح بيد الدولة، لكن بين الإعلان والواقع، مساحة رمادية ثقيلة: احتلال إسرائيلي لمواقع استراتيجية، تشكيك دولي، وضغوط أميركية، وسؤال لبناني داخلي ما يزال بلا إجابة واضحة، هل نحن أمام تحوّل حقيقي في ميزان القوة، أم مجرد هدنة محسوبة بميزان السياسة؟
نزع سلاح حزب الله
أعلن الجيش اللبناني، الخميس، أن عمليته لنزع سلاح حزب الله في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني قد حققت أهداف المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة، وهي الخطة التي أقرتها الحكومة اللبنانية في أغسطس الماضي عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى حربًا مدمرة استمرت قرابة عام بين حزب الله وإسرائيل.
البيان العسكري جاء بصيغة غير معتادة: حديث عن بسط السيطرة العملانية، وتفكيك منشآت، ومعالجة أنفاق، ومنع إعادة بناء القدرات بشكل لا عودة عنه. هذه ليست مفردات تقنية فقط، بل رسائل سياسية بامتياز، في بلد يعرف جيدًا أن كل جملة أمنية تُقرأ بعشرة مفاتيح.
بحسب الجيش، تشمل المرحلة الأولى منطقة تمتد حتى 30 كيلومتراً من الحدود مع إسرائيل، وهي المنطقة التي لطالما اعتُبرت العمق العملياتي لحزب الله. منذ إقرار الخطة، عملت الوحدات العسكرية على تفكيك بنى تحتية عسكرية، مصادرة أسلحة، وردم أنفاق، وإزالة ذخائر غير منفجرة، في عملية وُصفت بأنها معقدة تقنيًا وخطيرة ميدانيًا.
لكن هذا التقدم لا يجري في فراغ، إسرائيل، التي يفترض بها – وفق اتفاق وقف النار – الانسحاب الكامل من جنوب لبنان، لا تزال تحتفظ بخمسة مواقع تصفها بـالاستراتيجية، وتواصل تنفيذ ضربات جوية متفرقة، خصوصاً في مناطق الجنوب.
هذه الضربات، وفق بيان الجيش، تنعكس سلبًا على إنجاز المهام المطلوبة، وتحدّ من قدرة الدولة على بسط سلطتها الكاملة.
اللافت، أن الجيش لم يكتفِ بالإعلان، بل وجّه ضمنيًا رسالة سياسية حين ربط بين الاحتلال الإسرائيلي واستمرار الاعتداءات، وبين صعوبة تثبيت السيطرة ومنع عودة الجماعات المسلحة.
هذه معادلة حساسة: الدولة تطلب احتكار السلاح، لكنها في الوقت نفسه تواجه احتلالاً خارجياً يوفّر، موضوعياً، ذريعة لاستمرار منطق السلاح المقاوم.
اختبار توازن
في الخلفية، تقف واشنطن. ضغوط أميركية متزايدة على الحكومة اللبنانية لتطبيق تعهداتها، وخشية حقيقية من أن تستغل إسرائيل أي تباطؤ لتوسيع عملياتها العسكرية.
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قال بوضوح: إن ما تقوم به الحكومة والجيش اللبناني بعيد كل البعد عن أن يكون كافيًا، وهو تصريح يحمل في طياته تهديدًا مبطنًا أكثر مما هو تقييم تقني.
داخليًا، تستعد الحكومة اللبنانية للاستماع إلى تقرير مفصل من قائد الجيش رودولف هيكل حول ما تم إنجازه، وما لم يتم، والعقبات الميدانية والسياسية.
الجلسة لا تُقرأ فقط كاجتماع حكومي، بل كاختبار توازن دقيق بين ثلاثة ضغوط: ضغط الشارع المنهك من الحروب، ضغط الخارج الباحث عن نموذج دولة، وضغط الواقع الطائفي والسياسي المعقّد.
ترسانة حزب الله
الأهم في هذا المشهد أن نزع السلاح جنوب الليطاني لا يعني تلقائياً نهاية دور حزب الله العسكري. الحزب لا يزال يمتلك ترسانة ضخمة شمال الليطاني، وما تزال معادلته الإقليمية قائمة.
لكن الجديد أن الدولة اللبنانية، للمرة الأولى منذ الطائف، تحاول الانتقال من دور الوسيط إلى دور المالك الحصري للأمن.
وهنا تبرز الإشكالية الكبرى، هل يملك لبنان، بمؤسساته الضعيفة واقتصاده المنهار، القدرة على تثبيت هذا التحول أم أن ما يجري هو إعادة تموضع تكتيكي بانتظار تغير الرياح الإقليمية؟
الجنوب اليوم ليس فقط ساحة عسكرية، بل مختبر سياسي. كل خطوة للجيش تُقاس بالمللي، كل بيان يُفكك سياسيًا قبل أن يُقرأ أمنيًا، وكل تصريح إسرائيلي يُترجم كإنذار مبكر.
بين إنجاز المرحلة الأولى واستكمال المعالجة، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية: إما أن تنجح الدولة في فرض نموذج جديد للسيادة، أو يعود الجنوب مرة أخرى إلى منطق المناطق الرمادية، حيث لا الدولة دولة كاملة، ولا السلاح سلاح دولة.

العرب مباشر
الكلمات