من هو شريف سليمان؟.. الرجل الذي يمسك مفاتيح نيويورك المالية في زمن العجز

من هو شريف سليمان؟.. الرجل الذي يمسك مفاتيح نيويورك المالية في زمن العجز

من هو شريف سليمان؟.. الرجل الذي يمسك مفاتيح نيويورك المالية في زمن العجز
شريف سليمان

في مدينة تُقاس قوتها بالأرقام قبل الشعارات، لا يُصنع النفوذ دائمًا في المنصات الانتخابية ولا تحت أضواء الكاميرات. أحيانًا يُصنع في غرف مغلقة، بين جداول معقدة، وأرقام لا ترحم. هناك، حيث تتحول السياسة إلى حسابات، والخطابات إلى بنود، يقف شريف سليمان في موقع بالغ الحساسية: رجل يُمسك ميزانية مدينة هي الأكبر في الولايات المتحدة تقريبًا، بينما تتسع فجوتها المالية يومًا بعد يوم. 

مهاجر من الجيل الأول، ابن حي في كوينز، ومسؤول يملك خبرة تمتد لثلاث إدارات متعاقبة، لكنه اليوم أمام اختبار مختلف تمامًا، كيف تنقذ مدينة عملاقة من عجز متضخم دون أن تحرق ما تبقى من توازنها الاجتماعي؟

من كوينز إلى دهاليز السلطة


وُلد شريف سليمان في نيويورك، ونشأ في حي كوينز، أحد أكثر أحياء المدينة تنوعًا ثقافيًا وعرقيًا. كأميركي مصري مسلم من الجيل الأول، لم تكن رحلته مجرد صعود مهني تقليدي داخل جهاز الدولة، بل مسار اندماج كامل في ماكينة بيروقراطية معقدة لا ترحم الهواة.

 نشأته في أسرة ارتبطت بالخدمة العامة – حيث عمل والده في وزارة الصحة وقطاع الصحة النفسية – لم تكن تفصيلة جانبية في سيرته، بل عنصرًا تأسيسيًا في تشكيل وعيه المهني، الخدمة العامة لم تكن بالنسبة له وظيفة، بل مسارًا حياتيًا.

دخل سليمان مبكرًا عالم الإدارة المالية في نيويورك، المدينة التي تمتلك جهازًا إداريًا يشبه دولة داخل دولة، عبر سنوات طويلة، تنقل بين مواقع مختلفة داخل ثلاث إدارات بلدية متعاقبة، من إدارة مايكل بلومبرج حيث عمل ممثلًا تشريعيًا، إلى إدارة بيل دي بلاسيو التي شغل فيها منصب مفوض وزارة المالية، وصولًا إلى إدارة إريك آدامز حيث كان كبير مسؤولي السياسات.

هذا التدرج ليس تفصيلًا إداريًا، بل مؤشر على قدرته على التكيّف مع مدارس سياسية متناقضة: ليبرالية تكنوقراطية مع بلومبرج، يسارية اجتماعية مع دي بلاسيو، وبراغماتية أمنية مع آدامز.

هذه القدرة على “النجاة” داخل ثلاث بيئات سياسية مختلفة تعكس شخصية بيروقراطية صلبة، تجيد العمل تحت الرؤساء المتناقضين دون أن تفقد موقعها. وهو نمط نادر في مدينة تتغير فيها التحالفات بسرعة، وتُسقط فيها الخلافات المهنية أسماء كبيرة في لحظات.

مهندس الأرقام.. لماذا اختاره ممداني؟


اختيار زهران ممداني، العمدة الاشتراكي الديمقراطي الشاب، لشريف سليمان لم يكن مصادفة ولا مجاملة. ممداني جاء إلى السلطة بأجندة مشحونة سياسيًا: ضرائب أعلى على الأغنياء، خدمات عامة أوسع، حافلات مجانية، ورعاية أطفال. شعارات جذابة، لكنها ماليًا أشبه بسير على حبل مشدود فوق هاوية عجز يبلغ 10 مليارات دولار. هنا تحديدًا تظهر قيمة سليمان: رجل يعرف النظام من الداخل، ويعرف أين تُخفى البنود، وأين تُدفن الفجوات.

سليمان ليس رجل سياسة بالمعنى الخطابي، بل رجل نظام، سجله في جامعة مدينة نيويورك (CUNY) – حيث شغل منصب نائب المستشار الأول وكبير المسؤولين الماليين – كان حاسمًا في قرار ممداني. هناك، استطاع خفض العجز الهيكلي بنسبة تقارب 80% خلال عامين، وتأمين 1.5 مليار دولار للتعليم المبكر. هذه ليست أرقامًا تجميلية، بل مؤشرات على قدرة فعلية على إدارة الأزمات داخل مؤسسات مترهلة.

ممداني يحتاج إلى شخص يستطيع تحويل الخطاب الاشتراكي إلى أرقام قابلة للتنفيذ، دون أن ينهار النظام المالي للمدينة. وسليمان، بخبرته التي تقارب 30 عامًا، يمثل الجسر بين الطموح السياسي والواقع المحاسبي، لكنه جسر هش، أي خطأ في التقدير قد يفجّر مواجهة مع حاكمة الولاية كاثي هوكول، أو مع المجلس التشريعي، أو مع مجتمع الأعمال الذي يلوّح بالهروب الضريبي كلما ذُكرت كلمة "زيادة".


نفوذ صامت واختبار أخلاقي
 
اليوم، يجلس شريف سليمان على رأس مكتب الإدارة والميزانية، مشرفًا على ميزانية تقترب من 120 مليار دولار، في وقت تعترف فيه المدينة بفجوة حالية قدرها 2.2 مليار دولار، ومتوقعة تصل إلى أكثر من 10 مليارات في السنة المالية المقبلة. والأخطر: أن هذا كله قبل احتساب التخفيضات الفيدرالية المحتملة في برامج الغذاء والرعاية الصحية. نحن هنا لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن نموذج مالي مختلّ تراكم عبر سنوات من “الميزنة المتفائلة” والتقديرات الناقصة.

نفوذ سليمان لا يظهر في المؤتمرات الصحفية، بل في البنود الصغيرة: كم يُخصص للإسكان؟ كم يُقتطع من التعليم الخاص؟ كم يُترك للشرطة والإطفاء؟ هذه القرارات تصنع حياة المدينة اليومية أكثر مما تصنعها خطب العمدة. وهو نفسه قال بوضوح إن منصب مدير الميزانية “يشكّل كل جانب تقريبًا من جوانب المدينة”. وهذه ليست مبالغة.

في البعد الشخصي، يضيف سليمان طبقة أخرى للمشهد: كونه مسلمًا أميركيًا من أصول مصرية يعمل إلى جانب أول عمدة مسلم في تاريخ نيويورك. هذا البعد الرمزي مهم، لكنه سيف ذو حدين. فبينما يمنحه رصيدًا معنويًا داخل قطاعات من المجتمع، فإنه يضعه أيضًا تحت مجهر سياسي وإعلامي دائم. أي قرار قاسٍ قد يُفسَّر سياسيًا، وأي فشل قد يُحمّل دلالات أكبر من حجمه.