خسارة رمزية واستراتيجية.. ماذا يعني مقتل محمد السنوار لساحة الصراع؟
خسارة رمزية واستراتيجية.. ماذا يعني مقتل محمد السنوار لساحة الصراع؟

أعلنت حركة حماس رسميًا مقتل القيادي العسكري البارز محمد السنوار في قطاع غزة، لتضع حدًا لشهور من التكهنات بعد أن أعلنت إسرائيل سابقًا مقتله في غارة استهدفت خان يونس في مايو الماضي، نشرت الحركة صورة السنوار بين صور قادة آخرين ووصفتهم بـ«القادة الشهداء الأطهار»، من دون أن تكشف عن ملابسات الحادث.
اسم السنوار مرتبط بسجل طويل من النشاط العسكري؛ فهو الشقيق الأصغر ليحيى السنوار الذي ارتبط اسمه بتخطيط هجوم السابع من أكتوبر 2023، والذي قُتل لاحقًا في مواجهات مع القوات الإسرائيلية، على مدار عقود، برز محمد كقائد ميداني في خان يونس ومهندس لشبكات الأنفاق وذا دور أساسي في عمليات نوعية، كما ارتبط اسمه بعملية اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، على الرغم من محاولات الاستهداف الإسرائيلية المتكررة، ظل السنوار قادرًا على التحرك تحت الرادار وبناء نفوذ داخل كتائب القسام. وتبقى تساؤلات عديدة حول دوره وتأثير رحيله على بنية القيادة العسكرية للحركة تمامًا.
من هو؟
ولد محمد السنوار عام 1975 في مخيم خان يونس للاجئين، في أسرة نزحت من قرية قرب عسقلان عام 1948، لم يكن مسار حياته استثنائيًا بالمعنى الفردي، لكنه انغمس في دوائر المقاومة منذ شبابه، فتعرّف إلى قيادات ميدانية أصبحت لاحقًا أعمدة في البنية العسكرية لحماس.
اعتُقل أول مرة في 1991 وقضى تسعة أشهر في سجن كتسيعوت، ثم تعرض لسلسلة من الاعتقالات والحبس الاحتياطي لدى الأجهزة الفلسطينية تحت ضغط إسرائيلي، حتى بلغ مجموع ما أمضاه في الاحتجاز نحو ثلاث سنوات.
ومع تصاعد التضييق والإعدامات المستهدفة لشركائه الميدانيين، نما دوره تدريجيًا من قائد لواء خان يونس إلى شخصية مؤثرة في هياكل التخطيط واللوجستيات.
دور وتأثير
خلال العقدين الماضيين، ارتبط اسم السنوار بتنفيذ مشاريع بنيوية عميقة من بينها شبكات الأنفاق التي أدت وظيفة تكتيكية واستراتيجية في حركة حماس: خطوط إمداد، مسارات اختفاء للمقاتلين، ومخازن لعمليات مباغتة.
وتشير التقارير إلى مشاركته المباشرة في اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، وهي عملية أثرت في مسار مفاوضات تبادل الأسرى وإطلاق سراح قيادات لحماس، كما يربطه المحللون بدور منصّب لصالح شقيقه وأعضاء من الجيل القديم الذين صاغوا قواعد الاشتباكات.
وصف الأحتلال
منذ عدة شهور، أعلن الجيش الإسرائيلي العثور على جثة محمد السنوار قائد حركة حماس في غزة، مؤكدًا تحققه من هويتها، وذلك بعد أيام من الإعلان عن اغتياله في غارة جوية بالقطاع، وجاء في بيان الجيش الإسرائيلي: "في عملية نفذتها قوات الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) في المنطقة الجنوبية، وبعد استكمال عملية التعرف على الجثة، تأكد من العثور على جثة محمد السنوار تحت الأرض أسفل المستشفى الأوروبي في خان يونس".
وأضاف: "تم اغتيال السنوار مع قائد لواء رفح، محمد شبانة، في عملية مشتركة للجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) في 13 مايو 2025، أثناء تواجدهما في مجمع قيادة وسيطرة تحت الأرض، حيث تعمل قوات الجيش حاليًا.
وذكر البيان: خلال عمليات التفتيش في الممر تحت الأرض، عُثر على أغراض تخص السنوار وشبانة، بالإضافة إلى معلومات استخباراتية إضافية تم تقديمها لمزيد من التحقيق خلال العملية، تم العثور على جثث إضافية، ويجري التحقيق في هوياتهم.
المحافل الأمنية الإسرائيلية وصفته بأنه أحد أكثر القادة رعبًا في قدرته على فهم نمط عمل أجهزة الاستخبارات، بل إن بعض التقييمات الإسرائيلية ذهبت إلى وصفه بأنه مارس القسوة ضد معتقلين فلسطينيين أثناء استجوابهم بهدف كسر شبكات تعاون محتملة مع العدو.
مصادر استخبارية سابقة أكدت أيضًا، أن منزله دُمر مرات عديدة، وأن العمليات الهادفة إليه كانت مكثفة لكن دون نجاح نهائي في تصفيته حتى إعلان وفاته مؤخرًا.
تأثير رمزي ومعنوي
هذه الخلفية تجعل من مقتله مادة للتأمل، هل يمثل نهاية جزئية لمرحلة قيادية أم بداية لخلل يتلوه فراغ قد تعيد تشكيله قيادات قديمة أو جديدة.
تأثير وفاة قيادي بهذه المكانة لا يقتصر على البعد العسكري فحسب؛ بل يمتد إلى التأثير الرمزي والمعنوي داخل صفوف الحركة والمجتمع المحلي.
فقد لعب السنوار دورًا في ملء فراغات القرار الميداني، وجمع بين مهام استخباراتية وعملياتية بين الفصائل المختلفة، ما مكّنه من إدارة تحالفات محلية مثل توظيف عشائر التهريب لتنفيذ مهام لوجستية، بحسب تقارير داخل الحركة.
رحيله قد يسرّع صراعات على النفوذ داخل الكتائب، ويضع مزيدًا من الضغوط على هيكل القيادة في ظل استنزاف عددٍ كبيرٍ من القادة الميدانيين خلال السنوات الأخيرة.
في البعد الإقليمي، لا يمكن فصل مصير قائد مثل السنوار عن بيئة تتسم بتداخل أدوار فصائل ووسطاء وإمدادات إقليمية، أي فراغ قيادي يعزز فرص تدخل فاعلين إقليميين يسعون لكسب موطئ قدم أو تعزيز نفوذهم عبر وكلاء محليين؛ وهذا ما يجعل المشهد بعد الإعلان عن موته أكثر تعقيدًا، مع احتمالات لتصعيد متبادل أو إعادة تشكيل تكتيكات المقاومة، خصوصًا فيما يتعلق بشبكات الأنفاق وعمليات الاختطاف التي أثبتت فعاليتها سابقًا.