إيران تخاطب أميركا من قلب إعلامها.. زمن الضربات السهلة انتهى

إيران تخاطب أميركا من قلب إعلامها.. زمن الضربات السهلة انتهى

إيران تخاطب أميركا من قلب إعلامها.. زمن الضربات السهلة انتهى
الرئيس الإيراني

في لحظة إقليمية مشتعلة، خرجت طهران برسالة غير مسبوقة في حدتها إلى البيت الأبيض، رسالة لا تُقرأ كسجال دبلوماسي عابر، بل كإنذار استراتيجي يضع المنطقة بأسرها على حافة سيناريو بالغ الخطورة، عبر مقال نشره وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في صحيفة أميركية كبرى، اختارت إيران مخاطبة الرأي العام الغربي مباشرة، متجاوزة القنوات التقليدية، لتقول إن زمن “الضبط المحسوب” قد ينتهي، وإن أي ضربة جديدة لن تُقابل بالصمت.


 الرسالة لم تكن دفاعًا عن الداخل الإيراني فحسب، بل هجومًا سياسيًا معاكسًا على سردية واشنطن، وتشكيكًا في دوافعها، وتحذيرًا من أن الحرب المقبلة – إن اندلعت – لن تكون محدودة ولا قصيرة، بل شاملة وعابرة للحدود. 

في خلفية هذا الخطاب يقف شبح حرب يونيو 2025، والهجمات الأميركية على منشآت نووية إيرانية، وذاكرة مشتعلة لم تُغلق بعد ما كتبته طهران ليس بيانًا إعلاميًا، بل إعادة تعريف لقواعد الاشتباك المقبلة.

تهديد إيراني لـ الداخل الأمريكي


لم تأتِ رسالة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى الولايات المتحدة من فراغ، بل جاءت في ذروة تصعيد لفظي وسياسي متبادل بين طهران وواشنطن، على خلفية تهديدات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن ضربات جديدة على إيران، بذريعة قمع المتظاهرين خلال موجة احتجاجات شهدتها عدة مدن إيرانية في الأسابيع الأخيرة.

اختارت طهران هذه المرة أن تخاطب الأميركيين من داخل فضائهم الإعلامي، عبر مقال في صحيفة وول ستريت جورنال، في خطوة محسوبة تهدف إلى تجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية، وتحويل الرسالة إلى تحذير علني موجه للرأي العام وصنّاع القرار في آن واحد.

قال عراقجي بوضوح: إن إيران، التي التزمت ضبط النفس خلال هجمات يونيو 2025 التي استهدفت ثلاث منشآت نووية في بلاده، لن تتردد هذه المرة في الرد بكل ما لديها إذا تعرضت لهجوم جديد.

وأضاف أن هذا الكلام ليس تهديدًا، بل توصيفًا للواقع، في إشارة إلى أن ميزان الردع تغيّر، وأن طهران لم تعد ترى فائدة في الاكتفاء بالاحتواء.

حرب إقليمية شاملة


الأخطر في خطاب الوزير الإيراني لم يكن الوعد بالرد، بل توصيفه لطبيعة المواجهة المحتملة، فقد حذّر من أن أي عمل عسكري أميركي سيطلق حربًا إقليمية شاملة، تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط، لتطال الناس العاديين في كل أنحاء العالم، سواء عبر أسواق الطاقة أو خطوط التجارة أو موجات عدم الاستقرار.

يرسم عراقجي صورة قاتمة لمواجهة طويلة ومفتوحة، تتجاوز ما وصفه بـ الجداول الزمنية الوهمية التي تسوّقها إسرائيل وبعض الدوائر في واشنطن، معتبرًا أن فكرة الضربة السريعة الحاسمة مجرد وهم سياسي يستخف بتعقيدات المنطقة وقدرات إيران.

في موازاة التحذير الخارجي، شن الوزير الإيراني هجومًا مباشرًا على السردية الغربية للأحداث الداخلية في بلاده، وأكد أن الاحتجاجات بدأت سلمية، واعترفت بها الحكومة، قبل أن تنقلب إلى العنف بعد تدخل عناصر إرهابية داخلية وخارجية، على حد تعبيره، وبرر قطع الاتصالات بأنه إجراء أمني لحرمان مثيري الشغب من أدوات التنسيق.

ذهب عراقجي أبعد من ذلك حين تحدث عن موجة أخبار مزيفة في الإعلام الغربي، واتهم أطرافًا خارجية بمحاولة استغلال الاحتجاجات لجر الولايات المتحدة إلى حرب جديدة نيابة عن إسرائيل. 

واستند في ذلك إلى تصريحات لمسؤول استخباراتي أميركي سابق أقر بتورط الموساد في تحريك بعض هذه الأحداث، وفق الرواية الإيرانية.

في سرديته، ربط الوزير الإيراني بين تهديدات ترامب وبين التحول المفاجئ في طبيعة الاحتجاجات، ويقول: إن قوات الأمن فوجئت، بعد ساعات من تصريحات الرئيس الأميركي عن احتمال التدخل، بهجمات مسلحة منسقة استهدفت الشرطة والمدنيين، شملت إطلاق نار وحرق عناصر أمن ووقائع ذبح، في مشهد يسعى من خلاله إلى تثبيت فكرة التمرد المسلح لا الاحتجاج المدني.

هذا الخطاب يعكس محاولة إيرانية لإعادة تعريف المشهد الداخلي أمام الخارج ليس صراعًا بين دولة ومجتمع، بل معركة مع حرب هجينة تُدار من الخارج بأدوات داخلية.

خرائط الدم


سياسيًا، وجّه عراقجي سهامًا مباشرة إلى ترامب، قائلاً: إن الرئيس الأميركي يرى نفسه صانع صفقات، لكن ما جلبه للمنطقة كان الحرب فقط، واستعرض خريطة الدم الممتدة من فلسطين إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران وقطر، متسائلًا عن عدد الأرواح التي فُقدت خلال عام واحد من رئاسته.

وفي ملف النووي، اتهم وكلاء إسرائيل في البيت الأبيض بإفشال فرص التوصل إلى حل وسط خلال المفاوضات التي جرت في سلطنة عمان العام الماضي.

 وأعاد التأكيد على أن إيران تختار السلام على الحرب، وأنها كانت مستعدة دومًا لاتفاق عادل ومتوازن، لكنها لم تعد واثقة من أن واشنطن تشاركها الذهنية نفسها بعد أحداث يونيو وسبتمبر 2025.

ختم عراقجي رسالته بعبارة تحمل بعدًا فلسفيًا وسياسيًا في آن واحد، الولايات المتحدة جرّبت كل أشكال العداء ضد إيران – من العقوبات إلى الهجمات السيبرانية، ومن الضربات العسكرية إلى دعم عمليات إرهابية – وجميعها فشلت، حان الوقت لتجربة الاحترام، يقول الوزير، معتبرًا أن هذا المسار قد يفتح آفاقًا لم يكن أحد يتوقعها.