امرأة واحدة بين الموقعين على مجلس السلام العالمي.. من هي فيوزا عثماني؟
امرأة واحدة بين الموقعين على مجلس السلام العالمي.. من هي فيوزا عثماني؟
في قاعة تعج بقادة العالم وصناع القرار، بدت فيوزا عثماني وكأنها تمثل أكثر من دولة فتية في البلقان، حضورها في دافوس، كامرأة وحيدة بين الموقعين على ميثاق مجلس السلام العالمي، لم يكن تفصيلاً بروتوكوليًا عابرًا، بل رسالة سياسية مدروسة، فالرئيسة الشابة جاءت لتقول: إن كوسوفو، رغم حداثة تجربتها واستمرار صراعها على الاعتراف الدولي، باتت قادرة على الجلوس إلى طاولة النقاش العالمي بثقة، مستندة إلى سردية قانونية ودبلوماسية تسعى لتحويل ذاكرة النزاع إلى رصيد سياسي.
القانون بوابة السياسة
وُلدت فيوزا عثماني عام 1982 في مدينة ميتروفيتسا، إحدى أكثر مدن كوسوفو حساسية وتعقيدًا من حيث التركيبة العرقية والسياسية، نشأت في بيئة عايشت التحولات العنيفة في البلقان، حيث لم يكن القانون مفهومًا مجردًا، بل أداة بقاء وتنظيم في مواجهة الفوضى.
هذا السياق المبكر شكّل وعيها السياسي، ودفعها إلى اختيار دراسة القانون في جامعة بريشتينا، قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة لاستكمال الماجستير والدكتوراه في القانون الدولي بجامعة بيتسبرغ.
في الولايات المتحدة، لم تكتسب عثماني معرفة أكاديمية فحسب، بل تشبّعت بثقافة المؤسسات، وآليات صنع القرار، وأهمية الشرعية الدولية.
هذا التكوين المزدوج المحلي والدولي سيصبح لاحقًا حجر الزاوية في خطابها السياسي، فهي لا تتحدث عن السيادة بلغة شعاراتية، بل تربطها بالقانون الدولي، ولا تطرح الاستقلال كحالة مكتملة، بل كمشروع مستمر يتطلب اعترافًا، وتحالفات، وإصلاحًا داخليًا صبورًا.
من قاعات البرلمان إلى قصر الرئاسة
دخلت فيوزا عثماني الحياة السياسية من بوابة البرلمان، حيث برزت سريعًا كنائبة ذات خطاب قانوني حاد، لا يساوم في ملفات الإصلاح ومكافحة الفساد، توليها رئاسة الجمعية الوطنية مثّل نقطة تحوّل، إذ وجدت نفسها في موقع يفرض التوازن بين صرامة القانون وتعقيدات السياسة اليومية، وعندما استقال الرئيس السابق هاشيم ثاتشي، تولت عثماني الرئاسة بالإنابة في لحظة حساسة، ما وضعها أمام اختبار حقيقي لإدارة الدولة في ظرف داخلي وإقليمي دقيق.
في أبريل 2021، انتُخبت رئيسة للجمهورية، لتصبح ثاني امرأة تتولى هذا المنصب، وواحدة من أصغر رؤساء الدول سنًا، غير أن رمزية العمر لم تكن عنوانها المفضل، فقد سعت منذ البداية إلى ترسيخ صورة الرئيسة المؤسسية، لا الاستثنائية.
ركزت على إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وعلى تعزيز استقلال القضاء، ووضعت ملف مكافحة الفساد في صلب خطابها، إدراكًا منها أن الشرعية الداخلية شرط لا غنى عنه لأي طموح خارجي.
دبلوماسية دولة صغيرة وطموح كبير
على الساحة الدولية، تقدّم فيوزا عثماني نموذجًا مختلفًا لدبلوماسية الدول الصغيرة. فهي لا تراهن على القوة، بل على السردية: كوسوفو كدولة خرجت من النزاع، وتمتلك خبرة عملية في بناء السلام.
من هنا، لم يكن قبولها دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للانضمام إلى مجلس السلام العالمي مجرد مشاركة رمزية، بل محاولة واعية لتكريس هذا الدور.
حديثها عن “مساهمة ملموسة” لكوسوفو يعكس إصرارًا على أن الحجم الجغرافي لا يحدد حجم التأثير.
داخليًا، لم تخل مسيرتها من الجدل، قرارها حلّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة مقررة في فبراير 2026 أثار نقاشًا واسعًا حول حدود صلاحيات الرئاسة، لكنه كشف أيضًا عن رؤيتها للاستقرار السياسي كعملية استباقية، لا ردّ فعل متأخر، عثماني تدرك أن كوسوفو ما زالت في مرحلة بناء توازناتها الداخلية، وأن الجمود السياسي قد يكون أكثر كلفة من المغامرة الانتخابية.
في المحصلة، تقف فيوزا عثماني اليوم عند تقاطع صعب، رئيسة شابة مطالبة بإدارة دولة ذات تاريخ معقّد، وبناء مستقبل يتطلب صبرًا وتحالفات ذكية، سؤالها المفتوح ليس عن قدرتها الشخصية، بل عن مدى استعداد النظام السياسي في كوسوفو لمواكبة هذا الطموح، فهل تنجح في تحويل حضورها الدولي اللافت إلى مكاسب دائمة لدولة ما زالت تبحث عن تثبيت موقعها في عالم لا يرحم الصغار.

العرب مباشر
الكلمات