إجراءات غير مسبوقة في أوروبا.. خطط استباقية لمواجهة المجهول

إجراءات غير مسبوقة في أوروبا.. خطط استباقية لمواجهة المجهول

إجراءات غير مسبوقة في أوروبا.. خطط استباقية لمواجهة المجهول
الاتحاد الأوروبي

وسط تصاعد التهديدات الجيوسياسية، والتغيرات المناخية العنيفة، والهجمات السيبرانية المتكررة، تتجه أوروبا نحو تبني نهج أكثر صرامة في الاستعداد لمواجهة الأزمات. فقد أعلنت المفوضية الأوروبية عن استراتيجية متكاملة تهدف إلى تعزيز الجاهزية الجماعية لدول الاتحاد الأوروبي، عبر إجراءات تمتد من تعزيز الوعي المجتمعي إلى تطوير منظومة استجابة عابرة للحدود.

تتضمن الخطة توصيات غير مسبوقة، من ضمنها إدراج برامج تدريبية في المناهج الدراسية لتأهيل الأجيال القادمة على التعامل مع الكوارث، إلى جانب تشجيع الأسر على تخزين احتياجات الطوارئ الأساسية، وإنشاء مركز أوروبي متخصص لإدارة الأزمات، يأتي هذا التحرك في ظل تحذيرات استخباراتية من مخاطر أمنية متزايدة، على رأسها احتمالات وقوع هجوم عسكري روسي على إحدى دول الاتحاد خلال السنوات القليلة القادمة، إضافة إلى التهديدات الناجمة عن تقلبات المناخ والهجمات الإلكترونية. فهل تنجح هذه الاستراتيجية في حماية أوروبا من السيناريوهات الأسوأ، أم أنها ستصطدم بعقبات التنفيذ والتوافق السياسي بين الدول الأعضاء؟  

ملامح الخطة الأوروبية الجديدة


جاءت الاستراتيجية الأوروبية الجديدة استجابةً لتصاعد المخاطر التي تهدد القارة، وهي تقوم على ثلاث ركائز رئيسية، أولها هو إدماج "ثقافة الاستعداد" في التعليم ستتضمن المناهج الدراسية في دول الاتحاد تدريبات عملية على مواجهة الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات وحرائق الغابات، إضافة إلى برامج توعوية حول مكافحة المعلومات المضللة التي قد تُستخدم لإثارة البلبلة خلال الأزمات، والهدف هو بناء جيل قادر على اتخاذ قرارات سريعة وفعالة في حالات الطوارئ.  


الثاني هو تشجيع التخزين المنزلي للإمدادات الأساسية وحثت المفوضية الأوروبية المواطنين على الاحتفاظ بمخزون من المواد الغذائية والأدوية يكفي لمدة 72 ساعة على الأقل، نظرًا لأن الساعات الأولى في أي أزمة غالبًا ما تكون الأكثر خطورة، وتحتاج الأسر إلى الاعتماد على نفسها قبل وصول الدعم الحكومي أو الإغاثي.  


أما الركيزة الثالثة فهي إنشاء مركز أوروبي لإدارة الأزمات وسيتم إنشاء مركز متخصص في بروكسل يكون مسؤولًا عن تنسيق الاستجابات العابرة للحدود خلال حالات الطوارئ الكبرى، بالاعتماد على نماذج ناجحة في دول الشمال الأوروبي مثل فنلندا والسويد، اللتين تمتلكان منظومات متقدمة لمواجهة الأزمات.  

دوافع التحرك الأوروبي 


لم تأتِ هذه الاستراتيجية في فراغ، بل جاءت كرد فعل مباشر على تطورات دولية وإقليمية جعلت أوروبا أكثر عرضة للمخاطر مقارنة بالعقود الماضية.  


فمن ناحية تصاعد التوترات مع روسيا، التي بدأت منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، ما جعل بروكسل أكثر قلقًا بشأن احتمالات توسيع موسكو لنفوذها عسكريًا.


وفقًا لتقارير استخباراتية أوروبية، هناك مخاوف جدية من احتمال شن روسيا هجومًا على إحدى دول الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، وهو ما دفع الاتحاد إلى تبني سياسات شبيهة بتلك التي سادت خلال الحرب الباردة.


ومن ناحية أخرى تأتي الهجمات السيبرانية والتضليل الإعلامي كأحد أبرز الأسباب، حيث أشارت تقارير أمنية إلى تزايد محاولات الاختراق الإلكتروني التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، من شبكات الكهرباء إلى أنظمة الاتصالات، فضلًا عن حملات تضليل إعلامي تهدف إلى زعزعة الاستقرار السياسي داخل الدول الأوروبية.  


وأخيرًا، الكوارث الطبيعية المتفاقمة مع ازدياد حدة التغيرات المناخية، تواجه أوروبا موجات متكررة من الفيضانات وحرائق الغابات والعواصف العنيفة، ما يستدعي تعزيز استراتيجيات الوقاية والاستجابة لهذه الكوارث.  

ردود الأفعال والانقسامات داخل أوروبا


على الرغم من اتفاق معظم الأطراف على الحاجة إلى رفع مستوى الجاهزية، فإن الخطة لم تمر دون إثارة الجدل. 
يرى بعض الخبراء أن دعوة المواطنين إلى تخزين الإمدادات قد تثير القلق بدلًا من الطمأنينة، إذ قد يُنظر إليها على أنها مؤشر إلى أن خطرًا وشيكًا يهدد القارة.


في الوقت الذي تمتلك فيه دول مثل ألمانيا وفرنسا هياكل قوية لإدارة الأزمات، تعاني دول أوروبية أخرى من ضعف في البنية التحتية ونقص في التمويل اللازم لتنفيذ الخطة بفعالية.  


وتحتاج هذه الاستراتيجية إلى موافقة البرلمان الأوروبي ومصادقة الدول الأعضاء، وهو أمر قد يواجه عراقيل نظرًا لتباين الأولويات بين الحكومات المختلفة.  

هل تنجح أوروبا في مواجهة التحديات القادمة؟


مع تزايد المخاطر المحيطة بالقارة، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يحاول تفادي سيناريوهات الفوضى عبر التخطيط المسبق وتعزيز الجاهزية المجتمعية والمؤسسية.


ومع ذلك، فإن نجاح الخطة يعتمد على عدة عوامل، من بينها جدية الدول الأعضاء في تنفيذ التوصيات، ومدى قدرة المركز الأوروبي لإدارة الأزمات على تنسيق الاستجابات بشكل فعّال.