دماء في حي الرمال.. الروايتان الإسرائيلية والفلسطينية عن اغتيال أبو عبيدة

دماء في حي الرمال.. الروايتان الإسرائيلية والفلسطينية عن اغتيال أبو عبيدة

دماء في حي الرمال.. الروايتان الإسرائيلية والفلسطينية عن اغتيال أبو عبيدة
أبو عبيدة

في غياب تأكيد نهائي عن مصير الناطق العسكري لكتائب القسام المعروف باسم "أبوعبيدة"، ويزعم الجانب الإسرائيلي أن اسمه هو (حذيفة كحلوت)، فجّرت الضربة الجوية التي استهدفت بناية سكنية في حي الرمال بغزة سيلًا من الأسئلة حول أسلوب العمل الاستخباراتي الإسرائيلي وحدوده، وآثارها على المشهد الإنساني والسياسي في القطاع.

 الحديث عن عملية أنجزها الجيش وجهاز الشاباك باستخدام ذخائر دقيقة ومراقبة جوية، يتقاطع مع روايات محلية تتحدّث عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين ووجود أسر داخل الشقة المستهدفة.

في الوقت نفسه، تحوّل الأمر إلى ساحة للتنافس الإعلامي، تلعب الرواية الإسرائيلية دورها في إعلان إنجاز نوعي على مستوى "قطع الرأس" القيادي، بينما تزيد الرواية الفلسطينية من الغموض وتشدّد على معاناة السكان المتضررين، ما بين الطموح العسكري لخفض قدرة الحركات المسلحة والتكلفة البشرية والسياسية لعمليات من هذا النوع، تقف غزة مرة أخرى في قلب معادلة صعبة قد تكون لها انعكاسات أوسع على مسار الصراع. 

التفاصيل الميدانية والرواية الإسرائيلية


ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية، أن الضربة نفّذتها طائرات وطائرات بدون طيار بالتنسيق مع أجهزة المخابرات، مستندة إلى معلومات استخباراتية مركّزة أُرسلت إلى الشاباك وأمان قبل وقت قصير من تنفيذ الهجوم.

وفق الرواية الرسمية، استُخدمت ذخائر موجهة بدقة ومراقبة جوية لتقليل "التداخل" مع المدنيين ولضمان إصابة الهدف المركزي، وهو ما اعتُبر إنجازًا عمليًا لو تحقق.

هذه الروايات أكدت أن الاستهداف جاء من غرفة عمليات الشاباك نظراً لأهمية الهدف في البنية المعلوماتية لكتائب القسام، وأن تقييم النتيجة ما يزال جاريًا لدى الجهات الأمنية.

تصرّف نتنياهو وسياقه السياسي


ذكرت تقارير إعلامية، أن القضية أُثيرت على طاولة اجتماع الكابينت الأمني، وهو مؤشر على أن المسألة لم تكن ضربة فردية بل جزءًا من سياسة إسرائيلية أوسع تهدف إلى توجيه ضربات لمراكز القيادة في غزة قبيل أي تحرك بري كبير أو مع تصاعد الخطط السياسية والعسكرية للحكومة.

تصريحات رفيعة المستوى في تل أبيب أعطت الانطباع بأن تل أبيب تعتبر مثل هذه العمليات وسيلة للضغط المعنوي والعملياتي على حماس، لكنّ أي إعلان نهائي عن مصير "أبو عبيدة" لم يُصدر بعد من قِبل جهات مستقلة.

الرواية الفلسطينية وأبعاد الضحايا المدنيين

على الأرض في غزة، جاءت الرواية الفلسطينية مختلفة، مصدر فلسطيني أفاد بأن الشقة المستهدفة استأجرتها عائلة المتحدث العسكري قبل أيام، وأنها كانت تؤوي زوجته وأولاده، وأن القصف أدّى إلى اختلاط عشرات الضحايا ووقوع قتلى وجرحى، كما تُروى مشاهد لطيران ورق النقد المتناثر وهو ما استُخدم لتأكيد وجود تواجد عائلي أو مالي داخل المكان.

مراسلو محطات محلية نقلوا أيضًا عن عناصر من القسام منعوا الاقتراب من موقع الانفجار وفرضوا حواجز حول المكان، ورفضوا تأكيد مقتل أبو عبيدة بشكل قاطع، تعكس هذه الروايات الصدام الدائم بين رواية الاستهداف الدقيق والانعكاسات الإنسانية لعمليات تحصل في أحياء مكتظة.

لماذا تستهدف إسرائيل ناطقًا إعلاميًا

استهداف الناطق الرسمي لهيئة مسلحة يندرج في منطق "ضرب القدرة المعرفية" أي محاولة تقويض القدرة على التعبئة، التنسيق الإعلامي، وإدارة الخطاب المعنوي والعملياتي.

أبو عبيدة، كرمز مرئي لصورة القسام يؤدي دورًا يفوق كونه مجرد متحدث؛ وجوده يساهم في بث رسائل استمرارية المقاومة وتوحيد السرد الداخلي.

من زاوية عسكرية، إضعاف هذا العنصر يمكن أن يخلخل مؤقتًا آليات الإعلام الحربي والقدرة على إدارة الرسائل خلال معارك حاسمة، لكن هذا الحساب لا يأخذ دائمًا في الحسبان مدى احتمال تحوّل العملية إلى أداة تجنيد وتبرير لمزيد من التصعيد من جانب الفصائل.

أثر محتمل على ملف الأسرى وحرب الرسائل

في خطابه الأخير، ربط أبو عبيدة بين أي هجوم على مدينة غزة وإمكانية تعريض الأسرى للأذى، بوصفه خطًا أحمر.

محاولة تصفيته سواء نجحت أم لا تدفع هذا الملف إلى واجهة التصعيد النفسي، إن نجحت، قد يتجه خطاب حماس إلى مضاعفة لهجة الردع لإثبات أن رأس الحربة الإعلامية قابل للاستبدال، وإن فشلت، فستُوظَّف المحاولة لتعزيز سردية القدرة على الصمود ومحدودية أثر الضربات النوعية. 

في كلتا الحالتين، ستتكثف «حرب القصص» حول جدوى العمليات الخاصة مقارنة بالمسار البري والضغوط الإنسانية في القطاع.

مخاطرة الحسابات قصيرة المدى

سياسيًا، تحمل مثل هذه الضربات مخاطرة مزدوجة، داخليًا في إسرائيل قد تُقرَب على أنها إنجاز أمني يغطي فشلًا أو كلفة، بينما خارجيًا تزوّد الخصم بحجة لاستمرار المقاومة وتوسيع دائرة القتال.

كما أن سقوط مدنيين في قلب هذه العمليات يزيد الضغوط الدولية على إسرائيل ويعقّد الجهود الدبلوماسية المتعلقة بصفقات تبادل أو هدنة.

على مستوى الإقليم، أي تصعيد جديد في غزة يمكن أن يترجم إلى محاولات رد إقليمي أو تأثير على خطوط الإمداد والدعم السياسي الذي تتلقاه الفصائل. 

وفي غياب تأكيدات مستقلة، تظل محاولة اغتيال "أبو عبيدة" - إن صحت روايات إسرائيل- نموذجًا من نماذج الحرب المعاصرة التي تمزج بين إسناد استخباراتي جوي وتقنيات دقيقة، وبين تكاليف إنسانية وسياسية عالية. 

الاستهدافات من هذا النوع قد تحقق نجاحات تكتيكية قصيرة الأمد، لكنها غالبًا ما تفتح أبوابًا جديدة للتصعيد المعنوي والعملياتي، عند كتابة التاريخ القريب لغزة، ستُقاس فاعلية هذه الضربات ليس فقط بعدد القيادات التي سقطت بل بقدرتها على أن تؤدي إلى تقليل عنف القتال أو إلى توسيعه.

خبراء أكدوا لـ"العرب مباشر"، أن العملية تؤدي إلى سيناريوهات مفتوحة، أبرزها تأكيد التصفية: وهو ما سينتج عنه تصعيد دعائي متبادل إسرائيل ستسوّق قدرة الاختراق، وحماس ستعلن تسمية بديل وتقديم أدلة على عدم اهتزاز البنية.

ثاني السيناريوهات هو إصابة دون قتل، وسيُستثمر الغموض لتعظيم الردع من الطرفين، مع احتمالات لظهور تسجيلات مؤجلة للمتحدث.

والثالث والأخير هو فشل العملية: وستسعى حماس إلى تحويل الحدث إلى شهادة على متانة إجراءات الأمن والإنكار، بينما قد تزيد إسرائيل من وتيرة محاولات الاستهداف ضد الدائرة الأمنية والإعلامية.