إندونيسيا.. غضب شعبي متصاعد ضد الشرطة العسكرية بعد استخدام القوة المفرطة
إندونيسيا.. غضب شعبي متصاعد ضد الشرطة العسكرية بعد استخدام القوة المفرطة

شهدت إندونيسيا -خلال الأيام الماضية- موجة احتجاجات واسعة النطاق، أعادت إلى الواجهة الجدل حول أسلوب تعامل قوات الشرطة الخاصة المعروفة باسم "بريموب" (Brimob) مع المدنيين، وسط اتهامات باستخدام القوة المفرطة وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، حسبما نقلت شبكة "آر إف آي" الفرنسية.
بداية الأزمة واعتقال الضباط
تعود الشرارة الأخيرة إلى حادث وقع خلال احتجاجات ضد تدني الأجور والمزايا المالية الممنوحة لأعضاء البرلمان، حيث احتجزت السلطات سبعة ضباط داخل مركبة شرطة بعد أن اتهموا بخرق مدونة أخلاقيات العمل الشرطي.
وقد أعلن الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو فتح تحقيق في الحادث، لكن الغضب الشعبي سرعان ما امتد إلى مدن عدة في البلاد.
اتهامات موجهة إلى وحدة بريموپ
وتابعت الشبكة الفرنسية، أن وحدة بريموب، وهي الذراع شبه العسكرية للشرطة الوطنية الإندونيسية، وُصفت من قبل نشطاء حقوق الإنسان بأنها قوة عسكرية الطابع تملك أسلحة ثقيلة وتُكلف غالبًا بمواجهة الاحتجاجات الشعبية في الشوارع، رغم أنها تاريخيًا أنشئت للتصدي لحركات مسلحة متمردة.
وأوضح أندرياس هارسونو، الباحث في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، أن هذه الوحدة استخدمت مرارًا وتكرارًا قوة مفرطة في تعاملها مع الاحتجاجات، سواء في مقاطعة بابوا التي تشهد نزاعًا انفصاليًا أو في العاصمة جاكرتا ومدن كبرى أخرى.
جذور تاريخية ودور متصاعد
تعود أصول بريموب إلى فترة الاستعمار الياباني، قبل أن تتحول بعد الاستقلال إلى وحدة شبه عسكرية استخدمت لقمع التمردات الداخلية.
ومع مرور الوقت، لعبت هذه القوة دورًا أساسيًا في مواجهة الجماعات الإسلامية المتشددة وحركات الانفصال في بابوا وآتشيه وتيمور الشرقية.
وبعد سقوط نظام سوهارتو في أواخر التسعينيات، توسع نفوذها لتصبح بمثابة قوات العمليات الخاصة للشرطة. ومع انتخاب الرئيس جوكو ويدودو عام 2014، وتولي وزير الدفاع الحالي برابوو سوبيانتو السلطة خلفًا له العام الماضي، حصلت الشرطة الوطنية على تمويل كبير عزز من طابعها العسكري.
قمع الاحتجاجات وخدمة المصالح الاقتصادية
وأشارت منظمات حقوقية، أن بريموب لم تقتصر على قمع المعارضين السياسيين، بل جرى استخدامها كذلك لحماية مصالح اقتصادية مرتبطة بقطاعي الزراعة والتعدين.
من جانبه، أكد ديمس باجوس أريا، منسق منظمة "كونتراس" الحقوقية، أن الوحدة تنفذ مهام السيطرة على الحشود بعقيدة عسكرية متشددة قائمة على مبدأ "اقتل أو تُقتل".
لم تقتصر أسباب الاحتجاجات الأخيرة على الأوضاع الاقتصادية، بل جاءت نتيجة تراكم حوادث سابقة اتُهمت فيها الشرطة باستخدام العنف المفرط.
ففي عام 2022، أدى إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع داخل أحد الملاعب في جاوة الشرقية إلى مقتل أكثر من 130 مشجعًا في واحدة من أسوأ كوارث كرة القدم عبر التاريخ..
وفي عام 2019، قتل ما لا يقل عن عشرة محتجين بالرصاص خلال أعمال شغب أعقبت الانتخابات، وهي قضايا لم تُحاسب الشرطة عليها قضائيًا. هذه الأحداث وغيرها عمّقت مشاعر العداء للشرطة ورسخت قناعة لدى الشارع بوجود ثقافة الإفلات من العقاب.
خلال عطلة نهاية الأسبوع، أضرم محتجون النار في مقر للشرطة بمدينة سورابايا في جاوة الشرقية، وكتبوا شعارات مسيئة على الطرقات تعبيرًا عن غضبهم.
ويرى مراقبون، أن هذه التحركات الشعبية ليست فقط بسبب الحادث الأخير، بل نتيجة تراكمية لسنوات من ممارسات الشرطة.
وأكدت منظمة العفو الدولية في إندونيسيا، أن انتهاكات بريموب نادرًا ما تصل إلى المحاكم المدنية، وأرجعت السبب إلى غياب آليات المساءلة وتداخل مصالح الشرطة مع مؤسسات الدولة.
فعدد من كبار المسؤولين الحاليين، من بينهم وزير الداخلية ورئيس جهاز المخابرات، ينحدرون من المؤسسة الشرطية، ما يعزز انطباعًا واسعًا بوجود حماية سياسية للشرطة.