بوركينا فاسو.. تصفية حسابات عسكرية تُعيد تشكيل المشهد السياسي
بوركينا فاسو.. تصفية حسابات عسكرية تُعيد تشكيل المشهد السياسي

اتخذت بوركينا فاسو خطوة مفاجئة في مسارها السياسي المضطرب، حيث أقال رئيس المجلس العسكري الحاكم الكابتن إبراهيم تراوري رئيس الوزراء وحل الحكومة دون تقديم أي تفسير رسمي. القرار الذي صدر بمرسوم رئاسي ترك المشهد مفتوحًا على تأويلات، في بلد يتصارع مع الإرهاب والعزلة الدولية.
الإطاحة برئيس الوزراء أبولينير جواكيم كييليم دي تامبيلا، الذي خدم في ثلاث حكومات متعاقبة منذ الانقلاب الأخير، تعكس تغيرات داخلية وتحديات سياسية قد تكون مرهونة بتوجهات تراوري نحو شركاء جدد مثل روسيا، بعيدًا عن فرنسا.
بوركينا فاسو التي تسعى لاستعادة الاستقرار وسط تصعيد الإرهاب وتوترات إقليمية، تجد نفسها على مفترق طرق، حيث يتشابك الداخل مع تحولات السياسة الخارجية.
قرار مفاجئ
أعلن الكابتن إبراهيم تراوري، رئيس المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو، إقالة رئيس الوزراء أبولينير جواكيم كييليم دي تامبيلا وحل حكومته بموجب مرسوم رئاسي.
وفقًا للبيان، سيتولى الوزراء السابقون تصريف الأعمال لحين تشكيل حكومة جديدة.
القرار المفاجئ، الذي لم تُعلن أسبابه، يعكس ديناميات سياسية متغيرة داخل الدولة التي تعيش على وقع أزمات أمنية وسياسية متزايدة.
تحولات داخلية
تعيين دي تامبيلا رئيسًا للوزراء في أكتوبر 2022 جاء عقب الانقلاب الذي أوصل تراوري إلى السلطة في سبتمبر من العام نفسه.
وعلى مدار عام، قاد دي تامبيلا ثلاث حكومات متعاقبة؛ مما يجعل إقالته خطوة غير متوقعة.
يرى مراقبون، أن الإطاحة بدي تامبيلا قد تكون انعكاسًا لخلافات داخلية داخل المجلس العسكري، خصوصًا في ظل الانتقادات التي تعرض لها الأخير مؤخرًا بسبب تصريحاته المثيرة للجدل حول الأوثان الدينية ودعوته لاعتماد المعرفة العلمية في مواجهة الإرهاب، ما أثار حفيظة الزعماء التقليديين.
مسار السياسة الخارجية: انسحاب من فرنسا وتقارب مع روسيا
تتزامن هذه الخطوة مع تغييرات جذرية في السياسة الخارجية لبوركينا فاسو منذ وصول تراوري إلى الحكم. فقد اتخذت واغادوغو موقفًا مناهضًا لفرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، حيث طلبت انسحاب القوات الفرنسية في يناير 2023، وهو ما تم في فبراير.
في المقابل، بدأت بوركينا فاسو تعزيز علاقتها مع روسيا، حيث يُنظر إلى هذا التحالف الجديد كجزء من استراتيجية أوسع للتخلص من النفوذ الفرنسي التقليدي في غرب إفريقيا.
تراوري يسعى إلى بناء شراكات إقليمية مع مالي والنيجر، اللتين تحكمهما أنظمة عسكرية مشابهة وتواجهان نفس التحديات الإرهابية.
انعكاسات أمنية عميقة
تعاني بوركينا فاسو منذ عقد من الزمن من هجمات إرهابية متصاعدة، أودت بحياة الآلاف وأدت إلى نزوح أكثر من مليوني شخص.
القرار المفاجئ بحل الحكومة قد يزيد من حالة الغموض السياسي في بلد يعاني بالفعل من أزمات إنسانية وأمنية متفاقمة.
وفي تطور ذي صلة، أعلنت بوركينا فاسو مع مالي والنيجر انسحابها من الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، متهمة المنظمة بعدم تقديم الدعم الكافي لمكافحة الإرهاب وموالاة باريس.
تصدعات داخلية
من جانبه، يقول د. رمضان قرني الخبير في الشئون الإفريقية: إن الإطاحة برئيس الوزراء دي تامبيلا تشير إلى تصدعات داخلية في المجلس العسكري الحاكم، إذ يبدو أن تراوري يعيد تشكيل حكومته لتحقيق أهداف تتماشى مع تحالفاته الجديدة، خاصة مع روسيا.
يقول قرني في حديثه لـ"العرب مباشر": إقالة دي تامبيلا قد تكون خطوة لتعزيز السيطرة المطلقة لتراوري على جميع مفاصل الدولة، خاصة في ظل التوترات الداخلية والخارجية التي تواجهها البلاد.
العلاقة المتوترة بين بوركينا فاسو وفرنسا، والتي تزايدت حدتها منذ انسحاب القوات الفرنسية، ربما دفعت تراوري لاختيار حكومة تدعم استراتيجيته للتقارب مع موسكو".
وأضاف الخبير في الشئون الإفريقية: رغم الأزمات الأمنية التي تعاني منها البلاد، فإن تراوري يراهن على دعم شعبي لمنهجه المعادي للنفوذ الفرنسي التقليدي، ولكن هذا التحول قد لا يحل مشاكل الإرهاب، بل يعمق التحديات الاقتصادية والدبلوماسية التي تواجه البلاد.
في السياق ذاته، يقول يوسف حسن، خبير الشئون الافريقية: إن تغيير الحكومة في هذا التوقيت يحمل رسالة واضحة، الأولوية في بوركينا فاسو الآن هي للقضايا الأمنية ومكافحة الإرهاب، بغض النظر عن الخلافات السياسية.
وأضاف حسن - في حديثه لـ"العرب مباشر"-، عشر سنوات من الهجمات الإرهابية أضعفت البلاد بشكل كبير، مضيفًا: أن أي تغيير سياسي لا يرتبط بتحسين الأوضاع الأمنية سيؤدي إلى تصاعد الانتقادات الداخلية والخارجية.
وتابع: تراوري يحتاج إلى حكومة تتبنى سياسات صارمة وقادرة على توظيف الدعم الروسي في مكافحة الإرهاب، مشيرًا أن "التحالف مع مالي والنيجر يوفر فرصة لبوركينا فاسو لتوحيد الجهود الإقليمية ضد الإرهاب، ومع ذلك، فإن إقالة دي تامبيلا دون تفسير قد تضعف الثقة في استقرار النظام ا