كيف تحوّلت احتجاجات إيران إلى اختبار وجودي للنظام؟
كيف تحوّلت احتجاجات إيران إلى اختبار وجودي للنظام؟
في قلب طهران، حيث اعتادت الأزقة الضيقة للبازار أن تعكس نبض الاقتصاد أكثر مما تعكس غضب السياسة، اشتعلت شرارة بدت هذه المرة مختلفة، لم تخرج من الجامعات ولا من أطراف المدن المهمّشة، بل من قلب المنظومة الاجتماعية التي طالما اعتُبرت صمّام أمان للنظام، ومع امتداد الاحتجاجات لأكثر من أسبوعين، لم تعد مجرد ردّ فعل على أزمة معيشية أو انهيار في العملة، بل تحوّلت إلى مشهد وطني واسع، تتداخل فيه الهتافات الاقتصادية مع أسئلة الشرعية والمستقبل، قطع الإنترنت، سقوط قتلى، واتهامات خارجية جاهزة، كلها عناصر أعادت إلى الأذهان محطات سابقة من الغليان الإيراني، لكنها هذه المرة تأتي في سياق إنهاك شامل، اقتصاد يترنّح، مجتمع متعب، ونظام يواجه اختبارًا يتجاوز القدرة على القمع، السؤال لم يعد: "هل ستخمد الاحتجاجات؟" بل: ماذا تغيّر في إيران عندما خرج البازار نفسه عن صمته؟
حراك غير مسبوق
تشهد إيران واحدة من أوسع موجات الاحتجاج منذ أعوام، تمتد لليوم الثالث عشر على التوالي، وتغطي رقعة جغرافية غير مسبوقة شملت أكثر من مئة مدينة في جميع المحافظات، هذه الاتساع، مقرونًا بطبيعة المشاركين فيها، جعلها تبدو كأنها موجة مختلفة في الجوهر لا في الحجم فحسب.
بحسب منظمات حقوقية، سقط عشرات القتلى منذ بداية التظاهرات، بينهم أطفال، فيما أُصيب المئات واعتُقل الآلاف.
ومع تصاعد الحراك، لجأت السلطات إلى قطع الإنترنت وخطوط الهاتف في عدة مناطق، في محاولة لعزل الداخل عن الخارج وتقليص قدرة المحتجين على التنظيم والتواصل، هذه الخطوة، التي استُخدمت سابقًا، تعكس قلقًا رسميًا من تحوّل الاحتجاجات إلى حركة وطنية متزامنة يصعب احتواؤها محليًا.
أسباب اندلاع الاحتجاجات
الاحتجاجات الحالية هي الأكبر منذ موجة عام 2022 التي اندلعت بعد وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى الشرطة الدينية، وأطلقت آنذاك شعار المرأة، الحياة، الحرية.
غير أن ما يميز الجولة الراهنة ليس فقط اتساعها الجغرافي، بل طبيعة القوى التي أشعلتها، الشرارة الأولى انطلقت من الباعة والتجار في البازار الكبير بطهران، احتجاجًا على الانهيار الحاد في قيمة العملة وارتفاع كلفة الاستيراد والتشغيل.
تاريخيًا، شكّل البازار ركيزة اجتماعية واقتصادية للنظام الإيراني، فقد لعب التجار دورًا محوريًا في دعم الثورة الإسلامية عام 1979 عبر تحالفهم مع رجال الدين، ووفّروا لها الغطاء المالي والشعبي.
وعلى مدى عقود، ظلّ البازاريون يُنظر إليهم كفئة محافظة تميل إلى الاستقرار وتفضّل التفاهم مع السلطة بدل الصدام معها، خروجهم اليوم إلى الشارع يحمل دلالة رمزية عميقة، الأزمة لم تعد محصورة في الهوامش، بل وصلت إلى قلب القاعدة التقليدية للنظام.
انتشار سريع
امتدت الاحتجاجات بسرعة إلى محافظات الغرب الإيراني، ولا سيما المناطق ذات الأغلبية الكردية مثل إيلام، وكذلك لورستان، حيث تداخل الغضب الاقتصادي مع توترات عرقية قديمة، في هذه المدن، رُفعت شعارات تتجاوز المطالب المعيشية، أبرزها الهتاف المباشر ضد المرشد الأعلى علي خامنئي. هذا الانتقال من لغة المطالب إلى لغة التحدي السياسي يعكس تحوّلًا في المزاج العام، حيث لم يعد كثيرون يرون في الإصلاح الجزئي أفقًا ممكنًا.
السلطات من جهتها حاولت رسم خط فاصل بين “مطالبين بحقوق اقتصادية” و”مثيري شغب” تسندهم قوى خارجية. الرواية الرسمية تصف الاحتجاجات العنيفة بأنها نتيجة “تسلل مسلحين” في بعض المناطق، وتؤكد إصابة مئات من عناصر الشرطة وقوات الباسيج.
هذا الخطاب يهدف إلى نزع الشرعية السياسية عن الحراك وتحويله إلى ملف أمني بحت، وهو أسلوب اعتادت عليه الدولة في محطات سابقة.
اتهامات لواشنطن وتل أبيب
لكنّ خبراء يرون، أن السياق الحالي يختلف، فإيران تعيش تراكمًا لأزمات متزامنة، تضخم مرتفع، عملة منهارة، عقوبات خانقة، وشعور عام بالإرهاق الاجتماعي، هذا المزيج أنتج حالة من الاحتقان العميق، تجعل أي شرارة اقتصادية قابلة للتحول إلى حركة سياسية واسعة.
الإحباط لم يعد مؤقتًا، بل تحوّل إلى شعور بنفاد الأفق، في هذا المناخ، برزت تقديرات دولية تعتبر أن ما يجري قد يقود إلى تغيير جوهري في بنية النظام أو في طريقة حكمه.
على الصعيد الخارجي، سارعت طهران إلى توجيه الاتهام إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بـ"تأجيج" الاحتجاجات ومحاولة حرفها نحو العنف والانقسام.
وزير الخارجية عباس عراقجي قال: إن بلاده ترى أن التدخل الخارجي يهدف إلى تحويل مطالب سلمية إلى فوضى. في الوقت نفسه، استبعد احتمال تدخل عسكري مباشر ضد إيران، معتبرًا أن تجارب سابقة أثبتت فشل هذا الخيار.
في المقابل، صدرت عن واشنطن مواقف متباينة، الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوّح بإمكانية توجيه ضربات إذا أقدمت طهران على قتل المتظاهرين، بينما حرصت أصوات دبلوماسية أخرى على النأي عن أي التزام مباشر، مؤكدة أن ما يجري شأن داخلي يحدده ما يريده الشعب الإيراني، هذا التردد يعكس معضلة غربية تقليدية، دعم الخطاب الحقوقي دون الانزلاق إلى مواجهة قد توحّد الداخل الإيراني خلف السلطة.
تراكمات تاريخية
من جانبه، يرى د. محمد محسن، أن ما تشهده إيران اليوم يتجاوز كونه موجة احتجاج عابرة مرتبطة بارتفاع الأسعار أو انهيار العملة، بل يمثل – في جوهره – لحظة تراكم تاريخي لانكسارات اقتصادية وسياسية واجتماعية متداخلة.
ويقول محسن في حديثه لـ"العرب مباشر": إن خطورة هذه الجولة تكمن في أنها كسرت أحد آخر الخطوط الحمراء غير المكتوبة في بنية النظام، وهو حياد البازار وتجار المدن الكبرى، الذين شكّلوا تقليديًا قاعدة اجتماعية محافظة تميل إلى الاستقرار وتتفادى الصدام المباشر مع السلطة.
ويضيف محسن: أن انخراط هذه الفئة يعكس انتقال الأزمة من الهامش إلى المركز، ومن الأطراف المهمّشة إلى قلب الطبقة التي تتقاطع مصالحها عادة مع الدولة. “حين يخرج البازار، فهذا يعني أن العقد الاجتماعي غير المعلن بين النظام وشرائحه التقليدية بدأ يتصدع”، على حد تعبيره.
ويعتقد الخبير، أن قدرة النظام على القمع ما تزال قائمة، لكنه يحذّر من أن فعاليتها تتآكل مع كل موجة جديدة، لأن الاحتجاج لم يعد مرتبطًا بحدث صادم واحد، بل بحالة شعورية عامة عنوانها فقدان الأمل.
ويرى، أن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس انهيارًا مفاجئًا، بل مسارًا بطيئًا من التآكل الداخلي، تُضعف فيه الدولة قدرتها على الضبط، وتتآكل فيه شرعيتها الرمزية، ما يفتح الباب أمام تحوّلات عميقة خلال السنوات القليلة المقبلة.

العرب مباشر
الكلمات