أسر محتمل وخسائر فادحة.. تفاصيل كمين حي الزيتون الذي أربك إسرائيل
أسر محتمل وخسائر فادحة.. تفاصيل كمين حي الزيتون الذي أربك إسرائيل

لم تكن ليلة غزة الأخيرة عادية في حسابات الحرب المفتوحة، فقد تحولت شوارع حي الزيتون إلى مسرح لاشتباكات وصفتها وسائل الإعلام العبرية بـ"الأكثر دموية منذ اندلاع الحرب"، فبين فقدان أربعة جنود إسرائيليين وسط غموض يلف مصيرهم، وسقوط أكثر من 12 بين قتيل وجريح، ارتسمت صورة جديدة لميزان القوى على الأرض.
ما جرى لم يكن مجرد مواجهة ميدانية، بل اختبار صادم لاستراتيجية الجيش الإسرائيلي الذي كان يفاخر بأنه يمسك زمام المبادرة في قطاع غزة، كمين محكم نصبته فصائل المقاومة في حي الزيتون، أعاد إلى الأذهان كوابيس سابقة عاشها الجيش الإسرائيلي مع ملف الأسرى، ودفعه لتفعيل بروتوكولات عسكرية مثيرة للجدل تعكس حجم الارتباك والخشية من فقدان السيطرة، هذه التطورات تفتح الباب أمام أسئلة أكبر حول مستقبل العمليات الإسرائيلية داخل غزة، وحدود قدرتها على الاستمرار في حرب استنزاف يزداد فيها ثمن كل خطوة على الأرض.
كمين الزيتون.. تفاصيل الهجوم المفاجئ
أعلنت فصائل المقاومة الفلسطينية مسؤوليتها عن تنفيذ كمين معقد ضد وحدات إسرائيلية في حي الزيتون شرق مدينة غزة، حيث وقعت قوات من الفرقة (162) واللواء (401) في مرمى النيران المباغتة.
وسائل إعلام عبرية وصفت العملية بأنها "الأصعب منذ السابع من أكتوبر"، مشيرة إلى مقتل وإصابة 12 جنديًا على الأقل، فيما تحدثت مصادر أخرى عن حصيلة أكبر للقتلى لم يسمح الرقيب العسكري الإسرائيلي بنشرها.
اللافت، أن الهجوم لم يتوقف عند حدود الاشتباك الأولي، بل امتد إلى محاولات الإنقاذ، حيث وقعت اشتباكات إضافية أثناء محاولة إخلاء المصابين، ما ضاعف من خسائر الجيش، وتم نقل عددٍ من المصابين عبر مروحيات عسكرية إلى مستشفى "إيخيلوف" وسط تل أبيب، وهو ما عكس حجم الإصابات وخطورتها.
مصير غامض لأربعة جنود
أكبر ما أربك المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كان إعلان فقدان الاتصال بأربعة جنود في خضم المعارك، هذا الغموض أثار تكهنات واسعة حول احتمال أسرهم على يد المقاومة، خصوصًا مع إعلان "القسام" -في وقت سابق- عن سعيه لزيادة رصيد الأسرى لمقايضتهم مع إسرائيل.
ورغم أن الجيش التزم الصمت الرسمي، فإن وسائل إعلام عبرية تحدثت عن حالة استنفار غير مسبوقة في صفوف القيادة خشية تكرار سيناريوهات الماضي.
مع توارد الأنباء عن اختفاء الجنود الأربعة، أكدت مصادر عبرية، أن الجيش الإسرائيلي لجأ إلى تفعيل ما يعرف بـ"بروتوكول هانيبال"، وهو توجيه عسكري يجيز استخدام القوة المفرطة لمنع أسر الجنود حتى وإن عرّض حياتهم للخطر.
هذه السياسة، التي أعاد وزير الدفاع السابق يوآف جالانت تفعيلها مع بداية الحرب، تعكس أولوية المؤسسة العسكرية في منع المقاومة من امتلاك ورقة تفاوضية قوية.
لكن تفعيل البروتوكول لم يكن مجرد قرار تكتيكي، بل اعتراف ضمني بأن الكمين كاد ينجح في أسر الجنود، وهو ما يفتح الباب أمام جدل داخلي إسرائيلي حول أخلاقيات الجيش في التضحية بجنوده لمنع وقوعهم في الأسر، خصوصًا مع ذاكرة قاسية ما تزال حاضرة في المجتمع الإسرائيلي منذ قضية الجندي جلعاد شاليط.
القسام يوجه رسائله
في خضم هذه التطورات، بثت كتائب القسام صورة تحمل عبارة "نذكّر من ينسى.. الموت أو الأسر"، في رسالة مباشرة للقيادة الإسرائيلية وللرأي العام في الداخل.
أبو عبيدة، الناطق باسم القسام، شدد على أن مصير الجنود الإسرائيليين سيكون "إما القتل أو الأسر"، مؤكدًا أن المقاومين يعيشون الظروف ذاتها التي يواجهها الجنود على الأرض، وأن أي محاولة للتوغل الإسرائيلي ستكلف الاحتلال خسائر متزايدة.
مراقبون أكدوا، أن ما حدث في حي الزيتون يعكس تحولات مهمة في طبيعة المعركة، فبينما سعى الجيش الإسرائيلي لإعلان غزة "منطقة قتال خطيرة" والتأكيد على أن السيطرة بيده، جاءت نتائج الكمين لتظهر هشاشة هذا الادعاء، الانسحاب السريع من الحي بعد ساعات من الاشتباك، وإجلاء الجنود تحت وابل من النيران، يعكسان أن زمام المبادرة ليس محسومًا كما تروّج تل أبيب، وعلى المستوى السياسي، تشكل هذه الخسائر ضغطًا إضافيًا على حكومة بنيامين نتنياهو التي تواجه انتقادات داخلية متصاعدة حول كلفة الحرب وأهدافها.
فمع كل جندي مفقود أو قتيل، تتصاعد الأسئلة حول جدوى التوغلات البرية والقدرة على إنهاء المعركة بشروط إسرائيلية.
احتمالات مقبلة
من جانبه، يقول د. محمد المنجي، أستاذ العلوم السياسية: إن التجربة أثبتت أن كل عملية أسر أو حتى محاولة أسر تغيّر قواعد اللعبة، مضيفًا، إذا تأكد سقوط الجنود الأربعة في قبضة المقاومة، فإن ملف الأسرى سيعود إلى صدارة المشهد، بما يحمله من تداعيات سياسية وأمنية، حتى في حال لم يحدث الأسر فعليًا، فإن مجرد التلويح بهذه الإمكانية يضاعف الضغط على القيادة الإسرائيلية.
وأضاف -في تصريحات لـ"العرب مباشر"-، أن المقاومة الفلسطينية تظهر تصميمًا على استنزاف الاحتلال عبر الكمائن والاشتباكات النوعية، وهو ما يعني أن حرب غزة مرشحة لمزيد من التصعيد، وأن الليالي المقبلة قد تحمل مفاجآت لا تقل قسوة عن ليلة الزيتون.