الخطوط التونسية.. ضحية عشر سنوات من عبث الإخوان
الخطوط التونسية.. ضحية عشر سنوات من عبث الإخوان

على مدى أكثر من عقد، عاشت تونس تحديات اقتصادية وسياسية ألقت بظلالها الثقيلة على مؤسساتها الوطنية، وكان لشركة الخطوط التونسية نصيب وافر من هذه الأزمات. فقد تحولت الناقلة الوطنية، التي كانت يومًا ما رمزًا للريادة في مجال الطيران، إلى مؤسسة مثقلة بالديون، تعاني من سوء الإدارة، وتراجع في الخدمات، وتقلص في أسطولها الجوي. هذه الأوضاع لم تكن وليدة المصادفة، بل نتيجة تراكمات طويلة من الفساد وسوء التخطيط، مما جعلها أقرب إلى حافة الانهيار، الرئيس التونسي قيس سعيد، الذي يواصل حملته ضد الفساد الإداري، أشار صراحة إلى حجم الكارثة التي تعيشها الخطوط التونسية، ملقيًا باللوم على ما أسماه "عقدًا من العبث السياسي"، في إشارة إلى فترة حكم حركة النهضة الإخوانية، واليوم، بينما تحاول تونس النهوض اقتصاديًا، يبرز تساؤل جوهري، هل ستنجح الحكومة في إنقاذ "الغزالة"، أم أن مصيرها بات مرتبطًا بقرارات أكثر جرأة لمحاسبة الفاسدين وإصلاح الشركة من الداخل؟
تراجع الأسطول وتراكم الديون
تواجه الخطوط التونسية أزمة مالية غير مسبوقة، حيث تراكمت خسائرها إلى أكثر من 2200 مليون دينار تونسي (حوالي 709.6 مليون دولار). منذ عام 2011، تراجع أسطول الشركة من 24 طائرة إلى 10 فقط، ما تسبب في اضطرابات تشغيلية كبيرة أثرت على التزامها بالمواعيد وجودة خدماتها.
لم تكن هذه الأزمات مجرد نتيجة لتحديات اقتصادية، بل كانت انعكاسًا مباشرًا لسوء الإدارة، إذ أشار الرئيس قيس سعيد إلى أن عمليات الفحص الفني للطائرات، التي تستغرق في العادة عشرة أيام فقط، باتت تمتد لأكثر من 123 يومًا، مما أدى إلى خسائر بمليارات الدينارات، أهدرت دون استثمارها في تحديث الأسطول أو تحسين الخدمات.
المحسوبية وسوء الإدارة.. معضلة الموارد البشرية
أحد أبرز التحديات التي تواجه الشركة هو التضخم في عدد الموظفين، حيث شهدت فترة حكم الإخوان انتدابات واسعة تمت وفقًا للولاءات السياسية، وليس بناءً على الكفاءة أو حاجة الشركة الفعلية. النتيجة كانت تفاقم العجز المالي وزيادة المصاريف التشغيلية، في وقت تعاني فيه الشركة من تقلص عائداتها.
في هذا السياق، أكد سعيد خلال لقائه بوزير النقل رشيد عامري، ومديرة الخطوط التونسية حليمة خواجة، أن التسيب الإداري بلغ مستويات غير مقبولة، حيث تدهورت جودة الخدمات، وتأثرت سمعة الشركة سلبًا بسبب تأخر الرحلات المتكرر وضعف التجهيزات.
مخططات لبيع الشركة بثمن بخس
من جانبهم، يرى محللون أن تفكيك الخطوط التونسية وإغراقها في الديون لم يكن مجرد نتيجة عرضية للفساد، بل كان جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى خصخصتها وبيعها لجهات نافذة.
من جهته، يقول حسن التميمي المحلل السياسي التونسي أن الإخوان عمدوا، منذ وصولهم إلى الحكم، إلى إنهاك المؤسسات الوطنية الكبرى، بهدف تمهيد الطريق لخصخصتها.
وأضاف التميمي - في حديثه لـ"العرب مباشر" - أن الخطوط التونسية كانت إحدى الأهداف الرئيسية لهذه السياسة، حيث شهدت ارتفاعًا حادًا في نفقاتها التشغيلية مقابل تراجع عائداتها، ما جعلها عبئًا على الدولة بدلًا من كونها ركيزة اقتصادية.
وأوضح التميمي أن التوظيف العشوائي، الذي ازداد بعد 2011، أسهم في انهيار الوضع المالي للشركة، مؤكدًا أن إنقاذها يتطلب قرارات جذرية تعيد هيكلتها من جديد، بعيدًا عن الضغوط السياسية والمصالح الضيقة.
مطار تونس قرطاج.. مخاوف من المصير نفسه
لم يكن الرئيس التونسي قيس سعيد مقتصرًا في حديثه على أزمة الخطوط التونسية، بل حذر أيضًا من وجود "أطماع" تحيط بمطار تونس قرطاج الدولي، مشيرًا إلى أن هناك محاولات مشابهة لما حدث مع الناقلة الوطنية، تستهدف مواقع استراتيجية أخرى في البلاد.
وأكد سعيد أن الدولة لن تفرط في المطار، ولن تسمح ببيعه أو تفويته، تمامًا كما حدث مع عدة منشآت كبرى مثل الحي الأولمبي بالمنزه وملعب الشاذلي زويتن، داعيًا إلى وضع خطة إنقاذ شاملة تضمن استعادة الناقلة الوطنية لمكانتها وتعزيز قدرات المطار.
إصلاح أم محاسبة؟
في ظل هذه الأوضاع، تتزايد الدعوات إلى اتخاذ قرارات حاسمة لإنقاذ الخطوط التونسية، حيث يرى خبراء أن الحل لا يكمن فقط في إعادة الهيكلة، بل في محاسبة المسؤولين عن إيصال الشركة إلى هذه المرحلة.
يقول التميمي أن الحكومة التونسية تجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما المضي قدمًا في عملية إصلاح جذرية تعيد الناقلة الوطنية إلى مسارها الصحيح، أو الاستسلام للضغوط الاقتصادية والسياسية التي قد تدفع نحو سيناريو الخصخصة.
واختتم حديثه قائلًا، بين هذا وذاك، يبقى المواطن التونسي هو المتضرر الأكبر، في ظل تراجع الخدمات وزيادة أسعار التذاكر، دون أن تلوح في الأفق بوادر حل جذري للأزمة.