التغييرات الحكومية في تونس.. استقرار مفقود ومسار ضبابي
التغييرات الحكومية في تونس.. استقرار مفقود ومسار ضبابي

أعاد الرئيس التونسي قيس سعيد تشكيل الحكومة مرة أخرى، معلنًا إقالة رئيس الوزراء كمال المدوري وتعيين سارة الزعفراني الزنزري بديلة له، مع الإبقاء على معظم الوزراء السابقين، هذه الخطوة، التي تأتي للمرة الرابعة منذ 2021، تُثير تساؤلات متجددة حول مدى فاعلية هذه التغييرات المتكررة، وهل هي بوابة لحل الأزمات المتراكمة أم مجرد تدوير للأزمة في مشهد سياسي مضطرب، في ظل تراجع اقتصادي حاد وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، إلى جانب عزلة دبلوماسية متزايدة، تواجه تونس تحديات ضخمة تتطلب رؤية إصلاحية واضحة، لكن استمرار تبديل الحكومات بهذه الوتيرة يعكس غياب استراتيجية طويلة الأمد، فهل تستطيع الحكومة الجديدة كسر هذه الدوامة، أم أن الأزمة أعمق من مجرد تغيير الأسماء.
غياب الاستقرار السياسي.. أزمة متفاقمة أم تكتيك سياسي؟
تونس تشهد منذ سنوات حالة من عدم الاستقرار الحكومي، حيث تتغير الحكومات بوتيرة متسارعة دون أن ينعكس ذلك على أداء الدولة أو تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
يرى محللون أن هذه التغييرات ليست مجرد محاولات لتحسين الأداء الحكومي، بل تعكس صراعات داخلية بين أجنحة السلطة، وربما رغبة الرئيس في فرض سيطرته على المشهد السياسي دون السماح بظهور شخصيات ذات نفوذ داخل الحكومة.
المحلل السياسي التونسي محمد الميداني يُؤكد أن تغيير رؤساء الحكومات بهذه السرعة يعكس عدم استقرار سياسي خطير، مشيرًا إلى أن عدم الثبات الحكومي يعمّق الأزمات بدلًا من حلها.
وأضاف الميداني - في حديثه لـ"العرب مباشر" - أن أيّة حكومة تحتاج إلى وقت كافٍ لوضع سياسات إصلاحية فعالة، لكن عندما تكون مدة بقاء رئيس الوزراء قصيرة، يصبح من المستحيل تحقيق تقدم ملموس".
بين الكفاءة الإدارية والخبرة السياسية.. معايير الاختيار تثير الجدل
وتابع الميداني، أن أحد الإشكاليات الأساسية في تعيين رؤساء الحكومات في عهد قيس سعيّد هو اعتماده على شخصيات إدارية أكثر من كونها سياسية.
وأوضح أن هذا النهج أثار جدلًا واسعًا، حيث يعتبر البعض أن إدارة الملفات الحكومية تتطلب خبرة سياسية وليس مجرد معرفة تقنية أو إدارية.
وأشار إلى أن هذه الإشكالية قائلًا، معظم الوزراء في الحكومات الأخيرة ليس لديهم تجربة سياسية حقيقية، بل تم تصعيدهم إداريًا دون أن يكون لهم دور في المشهد السياسي من قبل.
ويضيف أن إدارة الدولة ليست مجرد وظيفة إدارية، بل تحتاج إلى رؤية سياسية وإدراك لطبيعة التحديات الداخلية والخارجية.
هذا النهج، بحسب مراقبين، يجعل الحكومات ضعيفة وغير قادرة على اتخاذ قرارات جريئة، حيث يظل الوزراء في حالة من الحذر وعدم المبادرة خوفًا من الإقالة المفاجئة، مما يعمّق الجمود في الأداء الحكومي.
تداعيات التغييرات المتكررة على الاقتصاد والدبلوماسية
بينما تواصل تونس تبديل رؤساء الحكومات، تزداد التحديات الاقتصادية تعقيدًا، ارتفاع معدلات التضخم، وتفاقم أزمة الديون، وتصاعد البطالة، كلها مؤشرات على أن البلاد تعيش أزمة غير مسبوقة، ومع ذلك، لا يبدو أن التغييرات الحكومية المتكررة ساهمت في تقديم حلول حقيقية لهذه المشكلات.
من جهته يقول الخبير الاقتصادي التونسي هيثم حواص، أن الوضع الاقتصادي يزداد سوءًا، ولا توجد رؤية واضحة للخروج من الأزمة.
وأضاف حواص لـ"العرب مباشر"، أن التغييرات الحكومية المتكررة تساهم في تعميق الأزمة بدلًا من حلها، لأنها تخلق حالة من عدم الاستقرار التي تؤثر على ثقة المستثمرين وتؤدي إلى تراجع المؤشرات الاقتصادية.
وأشار إلى أن تونس على الصعيد الاقتصادي تشهد تأخرًا بعد أن تراجعت المشاريع الاقتصادية الكبرى التي كان من الممكن أن تساهم في إنعاش الاقتصاد.
ويرى محللون أن عدم الاستقرار السياسي يجعل من الصعب على الدول الأخرى التعامل مع تونس كشريك موثوق، مما يؤثر سلبًا على العلاقات الخارجية.
كيف ينظر الشارع التونسي إلى التغييرات؟
رغم أهمية التغييرات السياسية، إلا أن الشارع التونسي يبدو غير مكترث بها، فمع تزايد الضغوط الاقتصادية، أصبح المواطن العادي منشغلًا بتأمين احتياجاته اليومية أكثر من متابعة تطورات المشهد السياسي.
يقول الميداني، إن المواطن لم يعد يهتم بتغيير الحكومات؛ لأنه لم يلمس أي تحسن في حياته اليومية رغم كل هذه التعديلات، ويرى أن الأزمة الحقيقية تكمن في غياب رؤية واضحة للإصلاحات، وليس فقط في هوية الأشخاص الذين يتولون المناصب الحكومية.
المعارضة بين الانتقاد والتخبط
المشهد السياسي التونسي يعاني أيضًا من انقسام واضح بين معارضة ترفض كل قرارات الرئيس وتنتقدها دون تقديم بدائل حقيقية، هذا الاستقطاب يجعل النقاش السياسي عقيمًا، حيث يغيب الحوار الفعّال الذي يمكن أن يؤدي إلى حلول وسطية تخرج البلاد من أزمتها.
الميداني أشار إلى أن المعارضة تكتفي بانتقاد قرارات الرئيس دون تقديم حلول عملية، بينما يعتمد أنصار الرئيس على تبرير كل قرار يتخذه، مما يجعل المشهد السياسي أشبه بحالة من الجمود الدائم.
من جانبهم، يرى مراقبون أن تونس تحتاج إلى خارطة طريق واضحة للخروج من أزماتها، تبدأ بإرساء الاستقرار السياسي ووضع خطط اقتصادية واقعية، بدلًا من الاكتفاء بتغيير الوجوه السياسية دون تغيير السياسات.
مؤكدين أن بعد ثلاث سنوات من حكم الرئيس قيس سعيّد بصلاحيات مطلقة، ما زلنا ندور في حلقة مفرغة من التغييرات الشكلية، المطلوب اليوم هو الانتقال إلى مرحلة الإصلاحات الحقيقية، وإلا فإن الأزمة ستستمر دون أفق للحل.