عدن تقول كلمتها.. الجنوب يحتشد دفاعًا عن الانتقالي في لحظة اختبار سياسي
عدن تقول كلمتها.. الجنوب يحتشد دفاعًا عن الانتقالي في لحظة اختبار سياسي
في مدينة اعتادت أن تكون مرآة لتقلبات الجنوب اليمني، خرجت عدن عن صمتها مرة أخرى، لا لتحتج فقط، بل لتعلن موقفًا سياسيًا واضحًا في لحظة شديدة الحساسية، عشرات الآلاف تدفقوا إلى ساحة العروض، من لحج والضالع وأبين، في مشهد بدا أقرب إلى استفتاء شعبي مفتوح على مستقبل "القضية الجنوبية" ودورها في معادلة اليمن المعقدة.
لم يكن الحشد مجرد رد فعل عاطفي على شائعة أو قرار عابر، بل رسالة منظمة تحمل في طياتها رفضًا قاطعًا لأي محاولة لتهميش المجلس الانتقالي الجنوبي أو القفز على تمثيله السياسي.
بين الأعلام، والهتافات، وصور الزبيدي، كان الشارع الجنوبي يحاول أن يقول: نحن هنا، والقضية لم تُغلق، والتمثيل ليس محل تفاوض في الغرف المغلقة. عدن، مرة أخرى، تفرض نفسها لاعبًا لا مجرد ساحة.
مسرح سياسي
لم تكن ساحة العروض في خور مكسر، ظهر السبت، مجرد مساحة جغرافية تستضيف تظاهرة، بل تحولت إلى مسرح سياسي مكتمل الأركان، اختلط فيه الغضب بالتحدي، والهوية بالرسالة.
عشرات الآلاف من أبناء الجنوب اليمني احتشدوا في عدن، استجابة لدعوات شعبية وسياسية، تعبيرًا عن تأييدهم للمجلس الانتقالي الجنوبي، ورفضًا لما تردد عن حلّه أو إضعاف دوره في المرحلة المقبلة.
المشهد كان لافتًا ليس فقط من حيث العدد، بل من حيث الجغرافيا التي قدم منها المشاركون. قوافل بشرية تدفقت من محافظات لحج والضالع وأبين، في إشارة لا تخطئها العين إلى أن القضية لم تعد "عدنية" محصورة، بل جنوبية عابرة للحدود الإدارية.
هذا الامتداد الجغرافي يعكس – وفق مراقبين – تماسكًا نسبيًا في المزاج الشعبي الجنوبي، على الأقل في ما يتعلق بمسألة التمثيل السياسي.
الانتقالي أولًا
الهتافات التي علت في الساحة لم تترك مجالًا للبس، مطالب صريحة بالانفصال، شعارات ترفض أي حلول منقوصة، وأخرى تمجّد رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي بوصفه رمزًا للمرحلة.
اللافت، أن الخطاب لم يكن فقط دفاعيًا، بل هجوميًا أيضًا، إذ حمل انتقادات واضحة لأي ترتيبات سياسية لا تمر عبر بوابة الانتقالي، في رسالة مباشرة للأطراف المحلية والإقليمية والدولية على السواء.
مصادر مشاركة في الحشد وصفت ما جرى بأنه تجديد تفويض شعبي، وليس مجرد وقفة احتجاجية. هذا الوصف مهم، لأنه ينقل الحدث من خانة رد الفعل إلى خانة الفعل السياسي المنظم، فالجمهور الجنوبي – وفق هذا المنطق – لا يكتفي بالاعتراض، بل يعيد إنتاج الشرعية في الشارع، عندما يشعر أن المسار السياسي ينحرف عن تطلعاته.
ادعاءات باطلة
في السياق نفسه، جاء تصريح المتحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي، أنور التميمي، ليغلق الباب أمام أي تأويلات، قوله الصريح: "لن نتعامل مع الإعلان عن حل المجلس" لم يكن مجرد نفي، بل إعلان مواجهة سياسية ناعمة، مفادها أن المجلس لا يعترف أصلًا بشرعية ما تم تداوله.
وأضاف التميمي: أن "غضب الجنوبيين لا يمكن التعامل معه إلا عبر المجلس"، في محاولة واضحة لربط الشارع بالقيادة، ومنع أي محاولات التفاف أو قنوات بديلة للتمثيل.
هذا الموقف تعزز ببيان المجلس الانتقالي الصادر عن اجتماع استثنائي طارئ ضم الجمعية الوطنية ومجلس المستشارين والأمانة العامة، والذي شدد على أن المجلس قائم بكامل شرعيته السياسية والتنظيمية، وأن جميع مؤسساته تواصل عملها دون انقطاع، البيان لم يكتفِ بالنفي، بل حمل لغة قانونية وسياسية توحي بالثقة، وتتعمد إظهار تماسك البنية التنظيمية في وجه ما وصفه المجلس بـ"ادعاءات باطلة ومنعدمة الأثر".
لكن ما الذي يجعل هذا الحشد مهمًا في هذا التوقيت تحديدًا؟ الإجابة تكمن في السياق. الجنوب يقف منذ سنوات عند تقاطع طرق: بين مشروع دولة مستقلة، ومشروع شراكة في دولة اتحادية، وبين واقع أمني واقتصادي هش.
وفي كل مرة تلوح فيها تسوية سياسية شاملة لليمن، يعود سؤال الجنوب إلى الواجهة: من يمثل؟ وبأي تفويض؟ وبأي سقف سياسي؟
المجلس الانتقالي بنى جزءًا كبيرًا من شرعيته على الشارع لذلك، فإن أي محاولة لإقصائه أو تحجيمه تعني – عمليًا – استفزاز هذا الشارع. الحشد في عدن يمكن قراءته باعتباره إنذارًا مبكرًا: تجاهل المزاج الجنوبي سيكلف كثيرًا.
عقدة استراتيجية
من زاوية أخرى، يرى محللون، أن التظاهرة تحمل رسالة للخارج بقدر ما تحملها للداخل، القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف اليمني تراقب الجنوب بوصفه عقدة استراتيجية، ليس فقط بسبب الموقع الجغرافي، بل بسبب تعقيد المشهد الاجتماعي والسياسي، ظهور هذا العدد في الشارع يعيد تذكير الجميع بأن الجنوب ليس ملفًا يمكن حسمه على الورق.
كما أن رفع شعارات الانفصال بشكل علني ومنظم يعكس تحررًا متزايدًا من لغة المجاملة السياسية، لم يعد الخطاب الجنوبي يخفي سقفه، بل يعلنه، وهذا تطور له دلالاته، لأنه يقلص مساحة المناورة أمام أي تسوية لا تأخذ هذا المطلب بجدية.
في المحصلة، ما جرى في عدن يتجاوز كونه تظاهرة تأييد لكيان سياسي. هو اختبار قوة، وقياس حرارة، وإعادة ترتيب أوراق.
الجنوب يقول بوضوح: المجلس الانتقالي ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه، والشارع ليس صامتًا يمكن تجاهله، وبين هذه الرسائل المتقاطعة، تقف عدن مرة أخرى في قلب العاصفة، مدينة ترفض أن تكون هامشًا في قصة تُكتب عن مصيرها.

العرب مباشر
الكلمات