بين النووي والنفط.. مضيق هرمز يتحول إلى ورقة تفاوض رئيسية بين واشنطن وطهران
بين النووي والنفط.. مضيق هرمز يتحول إلى ورقة تفاوض رئيسية بين واشنطن وطهران
بين طاولات التفاوض في مسقط ومياه الخليج الضيقة التي تعبرها ثلث تجارة الطاقة العالمية، تسير الدبلوماسية والعسكرة جنبًا إلى جنب، فالجولة الأولى من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران بدت ـ ظاهريًاـ خطوة نحو خفض التوتر، خاصة بعد وصفها من قبل طهران بأنها بداية جيدة، غير أن مشهد البحر كان يقول شيئًا آخر.
تحريك حاملة طائرات أمريكية نحو بحر العرب، مقابل انتشار مكثف لزوارق الحرس الثوري في مضيق هرمز، هذا التناقض ليس جديدًا في تاريخ العلاقة بين البلدين، لكنه هذه المرة يأتي في توقيت شديد الحساسية؛ فالمفاوضات تتناول جوهر الأزمة النووية، بينما تقف المنطقة على حافة اشتباك محتمل منذ سنوات، وبين لغة الاتفاقات المحتملة ولغة المدافع البحرية، تتشكل معادلة معقدة تفاوض بلا ثقة، وردع بلا حرب.
بداية إيجابية
انتهت الجولة الأولى من المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في العاصمة العمانية مسقط في السادس من فبراير 2026، على وقع تصريحات حذرة من الطرفين.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تحدث عن بداية إيجابية، بينما التزمت واشنطن توصيفًا دبلوماسيًا معتادًا يشير إلى اختبار جدي للنوايا، لكن الوقائع الميدانية سرعان ما عكست صورة مغايرة؛ إذ تزامن انتهاء اللقاءات مع تحركات عسكرية واضحة في الخليج.
القيادة المركزية الأمريكية دفعت بحاملة الطائرات "إبراهام لينكولن" إلى بحر العرب، وهو موقع يمنحها قدرة عملياتية عالية على تنفيذ ضربات جوية سريعة تجاه إيران أو مناطق نفوذها الإقليمية.
في المقابل، أظهرت صور أقمار صناعية انتشار نحو أربعين زورقًا هجوميًا وصاروخيًا تابعًا للحرس الثوري الإيراني داخل مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
هذه التحركات لا تُقرأ عادة كاستعداد مباشر للحرب، بل كجزء من استراتيجية التفاوض تحت الضغط. فواشنطن تعتمد تقليديًا على إظهار الجاهزية العسكرية لتعزيز موقعها التفاوضي، بينما تلجأ طهران إلى ما تسميه الردع غير المتكافئ عبر التهديد بإغلاق المضيق أو استهداف الملاحة. وبذلك يتحول الخليج إلى مساحة رسائل متبادلة أكثر منه ساحة قتال وشيك.
مصادر دبلوماسية متابعة للملف ترى أن كل طرف يحاول تثبيت خطوط حمراء قبل الجولة الثانية من المباحثات بالنسبة للولايات المتحدة، فإن نشر الحاملة الجوية يعني أن أي تسويف إيراني أو توسيع للبرنامج النووي سيقابل بخيارات عسكرية جاهزة.
أما إيران فترد بإظهار قدرتها على تعطيل إمدادات الطاقة العالمية، وهي الورقة الأقوى لديها في مواجهة التفوق العسكري الأمريكي.
اتفاق أوسع
تزداد أهمية هذه الرسائل لأن المفاوضات الحالية تختلف عن اتفاق 2015 السابق. فالمقترح الإيراني المطروح في مسقط يقوم على تنازلات محدودة زمنيًا: خفض مؤقت لنسبة التخصيب ونقل جزء من المخزون إلى روسيا مقابل رفع تدريجي للعقوبات، غير أن واشنطن تسعى إلى اتفاق أوسع يشمل الصواريخ الباليستية ونفوذ طهران الإقليمي، وهو ما ترفضه إيران حتى الآن.
هنا يظهر جوهر التوتر ليست المشكلة في البرنامج النووي وحده، بل في نطاق الاتفاق نفسه. إيران تريد صفقة تقنية، بينما تريد الولايات المتحدة صفقة استراتيجية لذلك تحاول كل جهة تعزيز موقعها قبل الانتقال إلى التفاصيل الدقيقة، لأن المرحلة القادمة ستكون مرحلة الأرقام نسب التخصيب، كميات المخزون، وآلية التفتيش.
الوساطة العمانية نجحت حتى الآن في جمع الطرفين حول مسار تفاوضي مستمر، وهو إنجاز بحد ذاته في ظل سنوات القطيعة لكن استمرار العقوبات الأمريكية بالتوازي مع التعزيزات العسكرية يخلق بيئة تفاوضية هشة؛ إذ تعتبر طهران أن الضغط العسكري يهدف لفرض تنازلات إضافية، بينما ترى واشنطن أن غياب الضغط سيؤدي إلى كسب إيران للوقت.
قدرة تأثير مضيق هرمز
الأهم، أن مضيق هرمز أصبح مرة أخرى مركز الحسابات، إغلاقه أو حتى تهديد الملاحة فيه كفيل برفع أسعار النفط عالميًا خلال ساعات، ما يمنح إيران قدرة تأثير تتجاوز قدراتها العسكرية المباشرة. لذلك فإن نشر الزوارق ليس استعدادًا للمعركة بقدر ما هو تذكير دائم بأن أي ضربة أمريكية لن تبقى محدودة جغرافيًا.
في المقابل، يدرك الأمريكيون أن التصعيد الفعلي سيعني حربًا إقليمية مفتوحة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. ولهذا تبقى التحركات العسكرية في إطار الردع المدروس الذي يسمح بالمفاوضات دون فقدان أوراق القوة.
يمكن القول: إن الطرفين يفاوضان الآن وفق قاعدة واحدة التقدم الدبلوماسي يجب أن يوازيه ضغط ميداني. فإذا تقدمت المحادثات، تبقى القوات في مواقعها دون اشتباك. أما إذا تعثرت، فإن هذه القوات نفسها تتحول فورًا إلى أدوات تصعيد.
لذلك فإن الجولة الثانية من محادثات مسقط لن تكون اختبارًا للاتفاق فقط، بل اختبارًا لقدرة الطرفين على إدارة التوتر دون الانزلاق إلى المواجهة، فالمؤشرات الحالية لا تدل على حرب وشيكة، لكنها تؤكد أن السلام أيضًا لم يقترب بعد.

العرب مباشر
الكلمات