ليبيا على مفترق طرق.. هل تنجح مبادرة الرئاسي في كسر الجمود السياسي؟.. خبراء يُجيبون

ليبيا على مفترق طرق.. هل تنجح مبادرة الرئاسي في كسر الجمود السياسي؟.. خبراء يُجيبون

ليبيا على مفترق طرق.. هل تنجح مبادرة الرئاسي في كسر الجمود السياسي؟.. خبراء يُجيبون
ليبيا

بعد أربعة عشر عامًا من الصراع والانقسامات، لا تزال ليبيا تبحث عن مخرج من أزمتها السياسية العميقة، فمع تعدد المبادرات ومحاولات التسوية، يأتي المجلس الرئاسي بمقترح جديد يهدف إلى إعادة هيكلة السلطة وتعزيز اللامركزية، وسط انقسامات داخلية وشكوك حول فرص النجاح، المبادرة التي طرحها نائب رئيس المجلس الرئاسي، عبدالله اللافي، تضاف إلى سلسلة من الطروحات السابقة التي لم تجد طريقها للتطبيق، ومع تضارب الرؤى بين مختلف الأطراف، يبقى التساؤل هل ستكون هذه المبادرة نقطة تحول نحو الاستقرار، أم أنها ستنضم إلى قائمة المحاولات الفاشلة التي سبقتها؟

تفاصيل المبادرة


المبادرة التي قدمها اللافي تقوم على إعادة تقسيم ليبيا إلى 13 محافظة تتمتع بصلاحيات واسعة، في محاولة لإرساء نظام لا مركزي يضمن توزيعًا عادلًا للثروة والسلطة.


هذا الطرح يختلف جزئيًا عن مبادرة موسى الكوني، التي ركزت على العودة إلى نظام الأقاليم الثلاثة، دون توضيح آليات التنفيذ أو مدى توافق الأطراف السياسية حولها.


إضافة إلى التقسيم الإداري، تتضمن مبادرة اللافي إنشاء مجلس رئاسي جديد بقاعدة دستورية واضحة تحدد صلاحيات الرئيس والأعضاء، في خطوة تهدف إلى إنهاء الانقسامات الحادة داخل السلطة التنفيذية.


كما تدعو المبادرة إلى إطلاق حوار وطني شامل يضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية، لضمان توافق أوسع حول مستقبل البلاد. 

مواقف متباينة.. بين الدعم والتشكيك


لم يحظَ هذا الطرح بإجماع داخلي، إذ يرى بعض المحللين أن المجلس الرئاسي نفسه جزء من الأزمة، وليس جهة محايدة قادرة على لعب دور الوسيط أو تقديم حلول. فالمجلس، الذي تشكّل في سياق اتفاق سياسي لم يحظَ بتوافق شامل، يعاني من انقسامات داخلية تحدّ من قدرته على تنفيذ مبادرات إصلاحية واسعة النطاق.
كما أن بعض أعضائه يطرحون رؤى مختلفة حول مسار الحل، ما يجعل من الصعب تحقيق إجماع داخلي حتى داخل المجلس نفسه.


من جانبه، اعتبر المحلل السياسي الليبي، عبدالله الكبير أن المبادرة لن تحظى بالنجاح لأسباب جوهرية عدة، في مقدّمتها غياب التوافق داخل المجلس الرئاسي، حيث لم يظهر موقف موحّد من أعضائه حول تفاصيل المبادرة وآليات تنفيذها.


وأضاف الكبير - في حديثه لـ"العرب مباشر" - أن أية مبادرة سياسية في ليبيا تحتاج إلى دعم إقليمي ودولي قوي يضمن تنفيذها على الأرض، وهو ما تفتقر إليه هذه المبادرة حتى الآن، خاصة في ظل تباين مصالح الأطراف الدولية المؤثرة في المشهد الليبي.


في المقابل، يرى مؤيدو المبادرة أنها تمثل خطوة أولى نحو تفكيك المركزية التي عطّلت مؤسسات الدولة، معتبرين أن إعادة توزيع السلطة على 13 محافظة قد يمنح الإدارات المحلية صلاحيات أوسع ويقلل من الخلافات حول إدارة الموارد.


كما يعتقد البعض أن هذه المبادرة قد تكون مدخلًا لإعادة تشكيل النظام السياسي الليبي على أسس أكثر استقرارًا، عبر وضع قاعدة دستورية جديدة وإعادة هيكلة المؤسسات بما يضمن تمثيلًا أوسع لمختلف المناطق والمكوّنات السياسية.


لكن رغم هذه الآمال، يظل نجاح المبادرة مرهونًا بمدي قدرتها على كسب دعم محلي واسع، وتجاوز العقبات الأمنية والسياسية التي لطالما أعاقت تنفيذ أي حلول سابقة.

العقبة الأكبر


يرى خبراء أن أي مبادرة سياسية، مهما كانت محكمة الصياغة، لن تحقق أهدافها المرجوّة ما لم تُرفَق بمعالجة جذرية للملف الأمني، الذي يمثل العائق الأكبر أمام أي استقرار مستدام في ليبيا. فبقاء السلاح خارج سيطرة الدولة يعزز الفوضى، ويعرقل أي جهود لإرساء سلطة مركزية قادرة على فرض القانون وإدارة شؤون البلاد بشكل فعال.


المحلل السياسي الليبي، فرج فركاش، شدد على أن تفكيك الميليشيات المسلحة وإعادة بناء مؤسسة أمنية موحّدة يجب أن يكون أولوية قصوى قبل الحديث عن أي حلول سياسية أو انتخابات. وأوضح أن استمرار هيمنة التشكيلات المسلحة على الأرض يجعل أي ترتيبات سياسية بلا معنى، إذ ستظل القوى العسكرية غير النظامية صاحبة التأثير الأكبر في تحديد المشهد السياسي. 


وأضاف فركاش - في تصريحات لـ"العرب مباشر" - أن تنظيم الانتخابات أو إعادة توزيع السلطة لن يكون لهما أثر فعلي في ظل غياب مؤسسات أمنية قوية قادرة على حماية العملية الديمقراطية من التدخلات المسلحة. فبدون سيادة القانون ووجود أجهزة أمنية تعمل وفق معايير مهنية، ستبقى القرارات السياسية رهينة لتوازنات القوة على الأرض، ما يكرّس حالة عدم الاستقرار التي تعاني منها ليبيا منذ أكثر من عقد. 


هذا الطرح يعكس المخاوف من أن تظل ليبيا رهينة للمجموعات المسلحة، التي لم تعد مجرد ميليشيات محلية، بل باتت تمتلك نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا متناميًا، مما يعقد أي جهود لإعادة بناء الدولة.

إذ تعتمد بعض هذه الفصائل على شبكات تمويل داخلية وخارجية، وتُسيطر على موارد استراتيجية مثل النفط والمعابر الحدودية، مما يمنحها نفوذًا كبيرًا يُصعّب على أي حكومة مركزية استعادة السيطرة الكاملة على البلاد. 

التحديات الأمنية


إلى جانب التحدي الأمني، تواجه ليبيا أزمات اقتصادية وإدارية معقدة، حيث تعاني مؤسسات الدولة من الانقسام المزمن، فيما يظل الفساد مستشريًا على نطاق واسع، ما يعيق أي محاولات جادة للإصلاح. فقد تحولت عائدات النفط، المورد الاقتصادي الرئيسي للبلاد، إلى ساحة صراع بين الفصائل المتنافسة، في ظل غياب آليات شفافة وعادلة لتوزيع الثروة. كما أن استمرار الانقسام بين الحكومات المتنافسة أدى إلى ازدواجية في المؤسسات، مما أثر على كفاءة الخدمات العامة وأضعف قدرة الدولة على تنفيذ مشاريع تنموية حقيقية. 


وأشار فركاش إلى أن المبادرات التي تركز فقط على إعادة هيكلة السلطة، دون معالجة المشكلات الجوهرية التي تعرقل استقرار البلاد، تظل حلولًا سطحية لا يمكن أن تحقق نقلة نوعية في المشهد الليبي. فملفات مثل توحيد المؤسسات، ومحاربة الفساد، وضمان التوزيع العادل للثروات، يجب أن تكون في صلب أي رؤية إصلاحية حقيقية، وإلا فإن الأزمة ستستمر في الدوران داخل حلقة مفرغة من الاتفاقات غير القابلة للتطبيق. 


وأضاف المحلل السياسي الليبي أن أي خارطة طريق للخروج من الأزمة يجب أن تكون شاملة ومتعددة المسارات، بحيث لا تقتصر فقط على إعادة توزيع المناصب السياسية، بل تشمل أيضًا إصلاحات هيكلية في مجالات الأمن والاقتصاد والإدارة. فدون تأسيس بيئة سياسية وأمنية مستقرة، لن يكون لأي اتفاق سياسي أي فرصة للنجاح، بل ستظل ليبيا ساحة مفتوحة لصراعات لا نهاية لها، تُجهض كل الجهود الرامية لإحلال الاستقرار والتنمية.