خامنئي ينأى بنفسه عن حلفائه.. تكتيك مرحلي أم تغيير استراتيجي؟

خامنئي ينأى بنفسه عن حلفائه.. تكتيك مرحلي أم تغيير استراتيجي؟

خامنئي ينأى بنفسه عن حلفائه.. تكتيك مرحلي أم تغيير استراتيجي؟
إيران

في خطوة لافتة، نفى المرشد الإيراني علي خامنئي ارتباط بلاده المباشر بالجماعات المسلحة الحليفة لطهران في المنطقة، مؤكدًا أنها "قوى مستقلة" تعمل وفقًا لمصالحها، وليست وكلاء لإيران.
التصريحات، التي تأتي في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة، تطرح أسئلة جوهرية حول دوافع هذا التبرؤ، وما إذا كان يعكس تحولًا حقيقيًا في الاستراتيجية الإيرانية، أم أنه مجرد خطوة تكتيكية لمواجهة الضغوط المتزايدة.

إعادة تموضع سياسي أم ضغط دولي؟

على مدار عقود، اعتمدت إيران على ما يعرف بـ"محور المقاومة"، وهو شبكة من الفصائل المسلحة المنتشرة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، كأدوات لتعزيز نفوذها الإقليمي.

لم تكن طهران تخفي دعمها لهذه الجماعات، بل كانت تعتبرها جزءًا من "الردع الاستراتيجي" ضد واشنطن وحلفائها في المنطقة، ولكن، مع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، وارتفاع وتيرة الضربات الأميركية ضد الجماعات الموالية لطهران، بدا أن إيران تسعى إلى تغيير الخطاب دون تغيير السياسات.

يأتي تصريح خامنئي في وقت تتزايد فيه الضغوط على إيران من جهات عدة، عسكريًا، تُواجه الجماعات الموالية لطهران هجمات أميركية مستمرة، خاصة في العراق وسوريا، بينما تتعرض جماعة الحوثي لضربات مكثفة بعد استهدافها للملاحة الدولية.


بينما اقتصاديًا، تواجه إيران عقوبات أمريكية متجددة تستهدف كيانات وأفرادًا، مما يزيد من الضغوط الداخلية على النظام، ودبلوماسيًا، تجد طهران نفسها في موقف دفاعي مع سعي بعض الدول الإقليمية إلى تحجيم دورها في المنطقة.


في ظل هذه الظروف، يبدو أن إيران تحاول تقديم خطاب أكثر براغماتية، يتيح لها هامشًا للمناورة دون التورط في مواجهة مباشرة.

توازن صعب بين الداخل والخارج

تبرؤ خامنئي من الفصائل الموالية لطهران قد يكون محاولة لطمأنة المجتمع الدولي، لكنه في الوقت ذاته، يحمل رسائل إلى الداخل الإيراني، فالنظام في طهران يدرك أن الاعتراف العلني بالعلاقة العضوية مع هذه الجماعات قد يمنحه نقاط قوة أمام مؤيديه، لكنه أيضاً قد يجلب عليه مزيدًا من العواقب السياسية والعسكرية من الخارج.

على الجانب الآخر، فإن أي إشارة إلى فك الارتباط قد تثير قلق هذه الجماعات نفسها، التي تعتمد بشكل كبير على الدعم الإيراني، وهذا قد يفسر لماذا جاءت تصريحات خامنئي بصيغة تحافظ على الغموض، فهو لم ينفِ دعم إيران التقليدي لهذه الجماعات، لكنه في الوقت ذاته، حرص على خلق مسافة لفظية بينها وبين طهران.

هل هي خطوة تكتيكية أم بداية تحول؟


من غير المرجح أن يكون هذا التغيير في الخطاب مؤشرًا على تحول استراتيجي عميق في سياسات إيران. فإيران، التي استثمرت لعقود في نفوذها الإقليمي عبر دعم هذه الجماعات، لا يمكنها التراجع بسهولة عن هذا الدور دون خسائر كبيرة.


لكن في المقابل، فإن المرحلة الحالية قد تدفع طهران إلى إعادة تقييم تكتيكاتها، فبدلاً من تقديم دعم علني أو مباشر لهذه الجماعات، قد تلجأ إلى تعزيز أدوارها بطرق أكثر مرونة، عبر وسائل غير تقليدية، مثل الدعم المالي أو الاستشاري، مع تجنب الظهور في المشهد بشكل مباشر.

التصعيد الأمريكي ورد الفعل الإيراني


مع تصاعد التهديدات الأمريكية، والتدخلات العسكرية المستمرة ضد وكلاء إيران في المنطقة، تبقى احتمالات المواجهة قائمة.

الولايات المتحدة، التي تتبع نهج "الضغط الأقصى"، لا تبدو مستعدة لتقديم أي تنازلات لطهران، بل إنها تواصل تصعيد الضغوط على إيران وحلفائها.

في هذا السياق، قد يكون تصريح خامنئي محاولة لتجنب منح واشنطن ذريعة لتوسيع عملياتها العسكرية في العراق وسوريا أو استهداف مصالح إيرانية بشكل مباشر. لكن هل ستقبل واشنطن بهذه الإشارات الدبلوماسية؟ أم أن المواجهة ستظل هي العنوان الأبرز للمرحلة المقبلة؟


ويقول المحلل السياسي العراقي نسيم عبد الله، إن تصريحات خامنئي تأتي في إطار مناورة سياسية تهدف إلى تهدئة الضغوط الدولية، خاصة في ظل تصاعد الضربات الأميركية ضد وكلاء إيران في المنطقة، وإيران لا تريد التخلي عن نفوذها، لكنها تحاول إدارة المشهد بذكاء لتجنب مواجهة مباشرة مع واشنطن.

ويضيف عبدالله، إن ما قاله خامنئي ليس تغييرًا في العقيدة الإيرانية، بل محاولة لشراء الوقت وتخفيف الضغوط على طهران، إيران تدرك أن استمرار دعمها العلني لوكلائها قد يجرها إلى مواجهة غير محسوبة، لذلك تسعى للفصل بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني.