تونس تواجه إرث الإرهاب.. استراتيجية شاملة لاقتلاع جذور التطرف
تونس تواجه إرث الإرهاب.. استراتيجية شاملة لاقتلاع جذور التطرف

تتصاعد وتيرة الجهود التونسية في مواجهة التهديدات الإرهابية، وسط تغييرات إقليمية حساسة ومخاوف متجددة من عودة التنظيمات المتطرفة إلى المنطقة، تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه تونس تحديات أمنية متعددة الأبعاد، تتراوح بين تعقب الخلايا الإرهابية وتفكيك شبكات التجنيد والتسفير إلى بؤر الصراع.
وفي أحدث خطواتها الحاسمة، أعلنت السلطات الأمنية إلقاء القبض على خمسة عناصر إرهابية ملاحقين بجرائم خطيرة تتعلق بالانتماء لتنظيمات إرهابية، التحرك التونسي ليس معزولاً، بل يعكس استراتيجية أمنية شاملة تهدف لتعزيز الاستقرار الداخلي وحماية المجتمع من مخاطر التطرف، لكن التحدي لا يتوقف عند الإرهاب فقط، فالملفات المرتبطة بالفساد السياسي وتورط بعض الأطراف في شبكات تسفير الإرهابيين تسلط الضوء على تعقيد المشهد، ومع هذه التطورات، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة الدولة التونسية على تجاوز هذه التحديات وتحقيق الأمن والاستقرار على المدى الطويل.
*مكافحة الإرهاب*
تواصل تونس حربها ضد الإرهاب بفعالية ملحوظة، حيث تمكنت وحدات الدرك التونسي من القبض على خمسة عناصر إرهابية مطلوبة، في خطوة حاسمة ضمن استراتيجية أوسع لتطهير البلاد من خطر التطرف.
وأكدت السلطات، أن المعتقلين يواجهون أحكاماً بالسجن تصل إلى 14 عاماً بسبب انتمائهم لتنظيمات إرهابية، وتأتي هذه التحركات في سياق خطة أمنية متكاملة تعتمد على تقنيات متطورة في التعقب والرصد، بالإضافة إلى تعزيز التعاون مع المواطنين.
فقد دعت السلطات السكان إلى الإبلاغ عن أي نشاطات مشبوهة، ما يعكس حرص الدولة على إشراك المجتمع في مكافحة الإرهاب.
*تأثير التغيرات الإقليمية*
من جانبهم، يرى مراقبون، أن هذه التحركات تأتي في سياق التطورات الأخيرة التي شهدتها الساحة السورية، حيث أدى انهيار نظام بشار الأسد إلى مخاوف متزايدة بشأن عودة العناصر المتطرفة إلى بلدانها الأصلية، ومنها تونس. فقد أضحت هذه الظاهرة مصدر قلق كبير للأجهزة الأمنية والسلطات التونسية التي تواجه تحديات متنامية في التعامل مع ملف العائدين من بؤر التوتر.
وفقاً لتقارير متطابقة، انخرط أكثر من 3 آلاف تونسي في صفوف التنظيمات الإرهابية التي استغلت حالة الفوضى في مناطق النزاع، خاصة في سوريا والعراق، للمضي قدمًا في استقطاب المقاتلين الأجانب. من بين هؤلاء، تشير التقارير إلى عودة نحو ألف عنصر إلى تونس، ما أثار هواجس عميقة بشأن قدرتهم على تنفيذ هجمات إرهابية أو إعادة تشكيل شبكات متطرفة محلية.
الأمر لا يقتصر على الأعداد فقط، بل يتعداه إلى التحديات الأمنية واللوجستية التي تواجهها السلطات التونسية في مراقبة هؤلاء العائدين وتقييم مستوى التهديد الذي يشكلونه. فبينما يُعتقد أن بعضهم عاد بإرادته وتاب عن الأفكار المتطرفة، هناك تقارير تفيد بأن آخرين عادوا بمخططات لاستئناف أنشطتهم الإرهابية.
*محاسبة الفساد وشبكات التسفير*
على صعيد آخر، يصر القضاء التونسي على ملاحقة القيادات الإخوانية المتورطة في قضايا فساد وتسفير الإرهابيين.
فقد تم إحالة قيادات بارزة من حركة النهضة، بينهم عبدالكريم الهاروني ومحمد فريخة، إلى المحاكم الجنائية بتهم تتعلق بتمويل الإرهاب واستغلال النفوذ لتسهيل عمليات التسفير.
تتمحور إحدى القضايا حول منح شركة طيران مملوكة لفريخة كميات كبيرة من وقود الطائرات بأسعار مدعومة خلال فترة حكم الإخوان.
وترتبط هذه القضية بشبكات تسفير الشباب إلى بؤر التوتر، حيث أشارت التحقيقات إلى تواطؤ بين قيادات إخوانية ومسؤولين أمنيين في تسهيل عبور الإرهابيين من مطارات تونس.
*الرئيس قيس سعيد: مواجهة حاسمة*
من جهته، وجه الرئيس قيس سعيد انتقادات لاذعة لحركة النهضة، متهمًا قياداتها بالخيانة والسعي لتقسيم البلاد.
وأكد سعيد، أن تونس بشعبها ومؤسساتها الأمنية قادرة على التصدي لهذه المخاطر، مشيرًا أن وحدة الشعب كانت العامل الحاسم في إفشال مخططات الجماعات المتطرفة.
رغم هذه الجهود، تواجه تونس تحديات كبيرة تتطلب تعاوناً إقليمياً ودولياً، خاصة في ظل احتمال تنامي النشاط الإرهابي نتيجة الفوضى في مناطق الجوار.
وتبقى الحاجة ملحة لتطوير منظومات استخباراتية وتحسين البنية التحتية الأمنية لضمان استدامة الاستقرار.
*تحقيق التوازن*
من جانبه، يقول المحلل السياسي التونسي عبد الكريم المحمودي: إن عودة العناصر الإرهابية تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين الأمن والحريات.
وأكد في حديثه لـ"العرب مباشر"، أن التحديات الأمنية الراهنة في تونس تتطلب استراتيجية أكثر شمولاً، لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تشمل أيضًا معالجة الأسباب الجذرية للتطرف، مثل: " البطالة، والتهميش، وضعف التوعية الفكرية".
وأشار المحمودي، أن التعامل مع ملف العائدين من بؤر التوتر يتطلب بناء برامج إعادة تأهيل متكاملة بالتوازي مع تعزيز الرقابة الأمنية على الحدود والمنافذ الحيوية، مضيفًا: أن النجاح في مواجهة هذه التحديات يعتمد على التنسيق الإقليمي والدولي، خاصة في ظل تشابك المصالح بين التنظيمات الإرهابية في المنطقة.