جدة تحتضن محادثات وقف إطلاق النار في أوكرانيا وسط تطلعات لإنهاء الصراع
جدة تحتضن محادثات وقف إطلاق النار في أوكرانيا وسط تطلعات لإنهاء الصراع

في تطور جديد للمساعي الدبلوماسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، تنطلق يوم الأحد المقبل في مدينة جدة السعودية محادثات تهدف إلى تحقيق وقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، برعاية الولايات المتحدة. تأتي هذه المحادثات عقب مكالمة هاتفية مطوّلة استمرت 90 دقيقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، أكدا خلالها على ضرورة إنهاء الصراع وإرساء سلام دائم.
البيت الأبيض أعلن أن المحادثات ستركز على وقف استهداف البنية التحتية الحيوية ومناقشة الترتيبات الأمنية في البحر الأسود، في حين أعرب الكرملين عن دعمه لهدنة تشمل تجميد استهداف منشآت الطاقة لمدة 30 يومًا. ورغم ترحيب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمبدأ الهدنة، إلا أنه طالب بالحصول على تفاصيل إضافية، محذرًا من نوايا موسكو. فهل تشكل هذه المحادثات بداية النهاية للحرب، أم أنها محطة جديدة في مسار دبلوماسي طويل؟
تحركات أمريكية لإنجاح المفاوضات.. وجدة محور اللقاءات
أعلن المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، أن المحادثات المرتقبة ستنطلق يوم الأحد في جدة، بمشاركة مستشار الأمن القومي الأمريكي مايك والتس ووزير الخارجية ماركو روبيو.
وأشار ويتكوف إلى أن "الشيطان يكمن في التفاصيل"، في إشارة إلى تعقيد القضايا المطروحة، والتي تشمل وقف الهجمات على البنية التحتية للطاقة، وتفعيل اتفاقيات التهدئة في البحر الأسود، وصولًا إلى ترتيبات سلام شامل.
مكالمة الـ90 دقيقة.. ملامح أولية لاتفاق محتمل
في سياق متصل، أجرى ترامب وبوتين مكالمة هاتفية استمرت لأكثر من ساعة ونصف، ناقشا خلالها سبل تحقيق وقف إطلاق النار.
وأكد البيت الأبيض في بيان رسمي أن الزعيمين شددا على ضرورة إنهاء الحرب بسلام دائم، مع التأكيد على أن كلفة الصراع - بالدماء والأموال - يجب أن توجه نحو تحسين أوضاع الشعوب بدلًا من الاستمرار في دوامة الحرب.
روسيا تُعلن هدنة مؤقتة.. وأوكرانيا تتحفظ
نقلت وسائل الإعلام الروسية عن الكرملين أن بوتين وافق على وقف استهداف منشآت الطاقة لمدة 30 يومًا، وأصدر تعليماته للجيش الروسي بالالتزام بذلك.
كما تعهدت موسكو بعدم التعرض للجنود الأوكرانيين الذين يسلمون أنفسهم طواعية في منطقة كورسك، في خطوة تهدف إلى تخفيف حدة المواجهات على الأرض.
من جانبه، أبدى زيلينسكي ترحيبه بالهدنة المؤقتة، لكنه شدد على ضرورة توضيح تفاصيلها، متهمًا بوتين بالسعي إلى استغلالها لإضعاف أوكرانيا وتحسين موقف روسيا التفاوضي.
ضمن مساعي بناء الثقة بين الطرفين، أعلن بوتين عن اتفاق لتبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا في 19 مارس، يشمل 175 أسيرًا من كل جانب، كما تعهدت موسكو، كـ"بادرة حسن نية"، بتسليم 23 جنديًا أوكرانيًا مصابًا بجروح خطيرة إلى كييف.
نقطة تحول
من جانبه، يقول د. طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية: إن محادثات جدة تمثل نقطة تحول مهمة في مسار الصراع الروسي الأوكراني، لكنها ليست بالضرورة مقدمة لحل نهائي.
فمنذ بداية الحرب، خضعت العلاقات بين موسكو وكييف لجولات تفاوضية عدة، لكن غياب الثقة والتوازن في المكاسب بين الطرفين حال دون التوصل إلى اتفاق دائم.
ويُشير فهمي - في حديثه لـ"العرب مباشر" - إلى أن اختيار السعودية لاستضافة المحادثات يعكس تحولًا في الديناميكيات الدبلوماسية، حيث باتت الرياض تلعب دور الوسيط النشط في الملفات الدولية، خصوصًا مع تقاربها مع موسكو وواشنطن على حد سواء.
ويُؤكد فهمي أن نجاح هذه المحادثات يعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: أولًا، مدى استعداد روسيا لتقديم تنازلات حقيقية تتجاوز الهدنة المؤقتة، وثانيًا، قدرة أوكرانيا على ضمان دعم حلفائها الغربيين لأي اتفاق يتم التوصل إليه، وثالثًا، جدية الولايات المتحدة في الضغط على الطرفين لإنهاء الحرب بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وختم فهمي بالقول إن وقف إطلاق النار قد يكون ممكنًا على المدى القريب، لكن التوصل إلى سلام دائم يحتاج إلى إعادة هيكلة النظام الأمني الأوروبي وضمانات واضحة لجميع الأطراف.
المعضلة الحقيقية
من جهته يقول د. محمد المنجي أستاذ العلوم السياسية: إن المحادثات في جدة تحمل أهمية رمزية ودبلوماسية، لكنها لا تعني بالضرورة أن السلام بات قريبًا، فالتجارب السابقة أظهرت أن روسيا وأوكرانيا تستخدمان المفاوضات كوسيلة لإعادة التموضع الميداني أو كسب الوقت، أكثر من كونها أداة للوصول إلى حلول مستدامة.
وأضاف المنجي - لـ"العرب مباشر" - أن قبول موسكو بهدنة مؤقتة يعكس حاجة الكرملين إلى تخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية، خاصة في ظل العقوبات الغربية المتزايدة، لكنه لا يعكس بالضرورة تحولًا استراتيجيًا في موقفها من الحرب.