تعريفات ترامب الجمركية.. شرارة حرب تجارية عالمية
تعريفات ترامب الجمركية.. شرارة حرب تجارية عالمية

في خطوة تصعيدية تهدد الاقتصاد العالمي بحرب تجارية مفتوحة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض تعريفات جمركية مشددة على الواردات القادمة من الصين والاتحاد الأوروبي، إلى جانب عشرات الدول الأخرى التي تمتلك فوائض تجارية مع الولايات المتحدة.
قرارات ترامب جاءت ضمن رؤيته "أميركا أولاً"، متذرعًا بحماية الاقتصاد الوطني وإعادة الوظائف إلى الداخل الأميركي، ومع تحذيرات واشنطن من أي ردود فعل انتقامية، تبدو الأسواق العالمية على شفا موجة اضطراب جديدة، قد تعيد تشكيل موازين التجارة الدولية، مع احتمالات تصعيد اقتصادي لا يمكن التنبؤ بعواقبه.
*تعريفات جمركية جديدة.. واشنطن تضرب شركاءها التجاريين*
في مؤتمر صحفي عقده في حديقة البيت الأبيض، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن فرض رسوم جمركية تصل إلى 34% على الواردات القادمة من الصين، و20% على الاتحاد الأوروبي، في خطوة تمثل تصعيدًا جديدًا في السياسة التجارية الأميركية.
ولم تقتصر هذه التعريفات على بكين وبروكسل، حيث شملت دولًا أخرى، من بينها اليابان التي فُرضت عليها رسوم بنسبة 24%، والهند بـ 26%، بينما بلغت الرسوم المفروضة على الواردات السويسرية 31%.
وأكد ترامب -خلال خطابه-، أن هذه الإجراءات جاءت كرد مباشر على التعريفات المرتفعة التي تفرضها بعض الدول على المنتجات الأميركية، مشيرًا أن سويسرا على سبيل المثال تفرض رسومًا تصل إلى 61% على المنتجات القادمة من الولايات المتحدة.
وأوضح الرئيس الأميركي، أن هذه السياسات تهدف إلى إنهاء ما وصفه بـ"عقود من الاستغلال الاقتصادي" الذي تعرض له الاقتصاد الأميركي.
*"أميركا أولًا".. سياسة تجارية بنكهة المواجهة*
منذ وصوله إلى البيت الأبيض، جعل ترامب من السياسات الحمائية محورًا رئيسيًا في أجندته الاقتصادية، مؤكدًا أنه يسعى لاستعادة الوظائف الأميركية وإعادة التوازن إلى العلاقات التجارية مع الدول التي تحقق فوائض على حساب الولايات المتحدة.
وقال ترامب خلال المؤتمر: "لقد تعرض دافعو الضرائب الأميركيون للاستغلال لأكثر من 50 عامًا، لكن هذا لن يحدث بعد الآن"، مضيفًا أن فرض هذه التعريفات سيؤدي إلى إعادة تنشيط قطاع التصنيع الأميركي وخلق فرص عمل جديدة.
ومع ذلك، فإن هذه الخطوات أثارت مخاوف واسعة من تداعياتها المحتملة على الاقتصاد العالمي، خاصة مع تهديد الشركات والمستهلكين الأميركيين بارتفاع أسعار السلع الأساسية، مثل السيارات والملابس.
*تحذيرات أميركية من التصعيد.. لكن التوتر يتصاعد*
في مؤشر على رغبة إدارة ترامب في منع ردود فعل انتقامية، وجه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت تحذيرًا شديد اللهجة للدول المتضررة من هذه الرسوم، مطالبًا إياها بعدم الرد بفرض تعريفات مضادة.
وقال بيسنت في خطاب للقادة الدوليين: "استرخوا، تحمّلوا الضربة، وانتظروا لمشاهدة كيف سيتطور الوضع، لأنّه إذا ردّيتم، سيكون هناك تصعيد".
لكن هذا التحذير لم يمنع الدول المتضررة من دراسة خياراتها، حيث بدأت الصين والاتحاد الأوروبي في بحث تدابير انتقامية قد تشمل فرض تعريفات مماثلة على المنتجات الأميركية، وهو ما ينذر بإشعال حرب تجارية قد تمتد لسنوات.
*انعكاسات اقتصادية.. بين التوقعات والتحذيرات*
يرى خبراء اقتصاديون، أن سياسة ترامب التجارية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يمكن أن تتسبب في إبطاء النمو الاقتصادي العالمي، ورفع تكاليف الإنتاج على الشركات الأميركية التي تعتمد على المواد المستوردة.
كما أن المستهلك الأميركي قد يكون المتضرر الأكبر، حيث سترتفع أسعار العديد من المنتجات الأساسية.
وعلى الرغم من تأكيد ترامب أن هذه الإجراءات ستعيد الوظائف الأميركية المفقودة، فإن محللين يحذرون من أن الشركات قد تلجأ إلى نقل تكاليف هذه التعريفات إلى المستهلكين، مما قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم وتقليص القوة الشرائية للأسر الأميركية.
*إعادة تشكيل التحالفات*
من جانبه، يقول د. عمرو سليمان أستاذ الاقتصاد الدولي: إن الخطوات التي اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية مشددة تفتح الباب أمام مواجهة اقتصادية غير محسوبة العواقب، محذرًا من أن "هذه السياسات قد تؤدي إلى ركود عالمي إذا استمرت الحرب التجارية بالتصاعد دون حلول دبلوماسية".
ويضيف سليمان في حديثه لـ"العرب مباشر"، أن التحركات الصينية والأوروبية للرد بالمثل على التعريفات الأميركية قد تعزز من حدة الأزمة، مشيرًا أن "الاقتصادات الكبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي لديها القدرة على اتخاذ إجراءات مضادة من شأنها الإضرار بالصادرات الأميركية؛ مما قد ينعكس سلبًا على قطاعي التصنيع والزراعة داخل الولايات المتحدة".
وحول تأثير هذه التعريفات على الاقتصاد الأميركي، يوضح سليمان، أن السياسة التي ينتهجها ترامب قد تحقق مكاسب قصيرة الأجل لبعض الصناعات المحلية، لكنها على المدى البعيد "قد ترفع تكاليف الإنتاج وتقلص الاستثمارات الأجنبية؛ مما يضر بالنمو الاقتصادي ويزيد الضغوط على المستهلكين الأميركيين".
وفيما يتعلق بالموقف الدولي، يرى سليمان، أن التصعيد التجاري قد يدفع الاقتصادات العالمية إلى إعادة تشكيل تحالفاتها التجارية، مؤكدًا أن "الدول المتضررة قد تتجه نحو تعميق تعاونها الاقتصادي بعيدًا عن واشنطن؛ مما سيؤثر على النفوذ الأميركي في النظام التجاري العالمي".
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن مستقبل هذه الحرب التجارية مرهون بمدى قدرة الأطراف على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، محذرًا من أن "استمرار هذه السياسة التصعيدية سيضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار صعب قد يستمر لسنوات".