بغطاء أمريكي وصمت دولي.. إسرائيل تستأنف حرب الظلال في لبنان
بغطاء أمريكي وصمت دولي.. إسرائيل تستأنف حرب الظلال في لبنان

لم تكد مدن لبنان تلتقط أنفاسها بعد هدنة هشّة حتى عادت أصوات الانفجارات لتخترق جدران البيوت وتشيّع أبناءها إلى مقابر الغياب، في الجنوب، حلّ الدمار على الشقق السكنية، حاملاً توقيعًا واضحًا لطائرات الاحتلال الإسرائيلي، لم تكن صيدا هذه المرة مجرد اسم على خارطة المواجهة، بل ساحة جديدة لسياسة الاغتيالات التي تستهدف الرموز والكوادر، في مشهد يعيد للأذهان سنوات الحرب الطويلة.
إسرائيل، التي تتذرع بتجاوزات أمنية، تمضي في عملياتها النوعية رغم اتفاق وقف إطلاق النار، مُصعدةً من وتيرة القصف على مواقع وشخصيات تنتمي إلى حركتي "حماس" و"حزب الله"، في خلفية المشهد، تقف الولايات المتحدة بصمت، تُلوّح بورقة الضمانات لإسرائيل، فيما السيادة اللبنانية تتآكل أمام أعين شعبها، وتُترك مدن الجنوب رهينة قرار عسكري يُتخذ في تل أبيب، إنها مرحلة جديدة من التصعيد، عنوانها العنف السياسي الموجّه، وسلاحها الطائرات المسيرة التي تختار أهدافها بعناية في وضح النهار.
*سياسة الاغتيالات*
بعد فترة من الترقب والهدوء النسبي الذي أعقب اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في نوفمبر 2024، عاد التصعيد الأمني ليتصدر المشهد اللبناني، وهذه المرة بوجه أكثر قسوة، سياسة اغتيالات مركزة تستهدف قيادات ميدانية من "حزب الله" و"حركة حماس" في الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية لبيروت.
الجمعة الماضية، فجّر الجيش الإسرائيلي السكون في مدينة صيدا، عندما نفذت طائرة مسيرة هجومًا دقيقًا على شقة سكنية بحي الزهور في منطقة دلاعة.
الهدف كان حسن فرحات، الملقب بـ"أبو ياسر"، قائد الجبهة الغربية لحركة حماس، لم يكن بمفرده في الشقة، بل رافقته أسرته التي دفعت الثمن معه، حيث قُتل ابنه حمزة وابنته جنان، ليرتفع عدد ضحايا الغارة إلى ثلاثة ضحايا.
وتأتي هذه العملية بعد ثلاثة أيام فقط من غارة أخرى استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث تم اغتيال حسن بدير، القيادي في "حزب الله" والمسؤول عن التنسيق مع الفصائل الفلسطينية.
الجيش الإسرائيلي برر العملية بكونه "عنصرًا فاعلًا في التخطيط لهجوم كبير ضد المدنيين الإسرائيليين"، وفق بيانه الرسمي.
هذه الاغتيالات ليست مجرد رسائل نارية، بل هي تجسيد لاستراتيجية إسرائيلية قديمة، قوامها الضربات الدقيقة والاستهدافات الفردية، حتى وسط الأحياء السكنية.
وتقول مصادر عسكرية لبنانية، إن تلك العمليات باتت أكثر دقةً وجرأةً بفضل المعلومات الاستخبارية والدعم الأمريكي غير المعلن.
*انتهاكات مستمرة*
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أعرب عن إدانته الصريحة للهجمات، واصفًا إياها بأنها "انتهاك صارخ للسيادة اللبنانية وخروج عن القرار الأممي 1701"، داعيًا المجتمع الدولي إلى التحرك لكبح العدوان الإسرائيلي المستمر.
واعتبر أن استهداف صيدا هو دليل على نية توسيع رقعة العمليات لتشمل مناطق أوسع في لبنان.
من جهته، رأى المحلل السياسي اللبناني يوسف دياب، أن إسرائيل ما تزال تعتمد سياسة "اصطياد الرؤوس" مستفيدة من ثغرات أمنية وسكوت دولي واضح.
وأضاف: أن إسرائيل تعتبر نفسها غير مقيّدة باتفاق الهدنة طالما ترى أن حزب الله لم يسلّم سلاحه.
وأشار دياب -في حديثه لـ"العرب مباشر"-، إلى "الضمانات الأمريكية" التي حصلت عليها تل أبيب، والتي تسمح لها بحرية التحرك داخل لبنان في حال شعرت بأي تهديد لأمنها القومي.
واعتبر المحلل السياسي اللبناني، أن ما نشهده اليوم هو تنفيذ حرفي لتفاهمات أمريكية إسرائيلية تتيح استمرار الاغتيالات السياسية حتى تفكيك كامل بنية "المقاومة" داخل لبنان، مشيرًا إلى أن ما جرى في الضاحية وصيدا لن يكون سوى بداية لجولات جديدة من الاستهدافات.
في المقابل، أدان "حزب الله" على لسان مسؤول ملف العلاقات الفلسطينية حسن حب الله الغارة الأخيرة على صيدا، واصفًا إياها بأنها "اعتداء جبان وغادر"، ومؤكدًا أن "الصمت الدولي تجاه هذه الاعتداءات يجعل المجتمع الدولي شريكًا في الجريمة".
الحزب طالب الدولة اللبنانية بتحمّل مسؤولياتها كاملة والضغط دوليًا لوقف هذه الانتهاكات.
أما على الأرض، فإن اتفاق وقف إطلاق النار يبدو هشًا إلى درجة التلاشي، منذ 27 نوفمبر 2024، سجل أكثر من 1260 خرقًا للاتفاق من جانب إسرائيل، وفقًا لبيانات غير رسمية.
وأدت هذه الخروقات إلى مقتل نحو 100 لبناني، وإصابة ما لا يقل عن 330 آخرين؛ مما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى استمرار هذا الاتفاق في ظل غياب أي آلية ردع حقيقية، ووسط هذه التطورات، يبقى جنوب لبنان في حالة ترقب دائم، بينما تزداد الشكوك حول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تصعيدًا أكبر أو ستدفع الأطراف نحو طاولة التفاوض من جديد، لكن ما هو مؤكد أن الاغتيالات، وإن خمدت للحظة، عادت لتؤكد أن إسرائيل لم تُلقِ بسلاحها بعد، وأن لعبة الدم لا تزال مستمرة.